شريف يونس
لا أكاد أجد أى شىء استثنائى فى كارثة الإسكندرية. نظام العبوات المنفجرة استعمله الإسلاميون من قبل، والهجوم على المسيحيين بطريقة أو بأخرى معاناة يومية، خاصة للمرأة المسيحية، وحتى عدد الضحايا ليس استثنائيا حين نتذكر الكُشح، التى كانت أكثر بشاعة فى الحقيقة. لكن هناك شىء استثنائى واحد، هو اعتلاء الظاهرة خشبة المسرح الرئيسى، المدينة الثانية فى البلاد، فى استعراض واسع للقدرة على التدمير، أو على “التضحية” بالنفس من أجل التدمير والقتل. وحتى هذا “الاستثنائى” ليس استثنائيا حقا، بل يمكن أن نعتبره “خفيفا” إذا قورن بتجليات “الصحوة الإسلامية” فى مختلف أنحاء “العالم العربى”، من العراق إلى السودان إلى الجزائر إلى اليمن إلى لبنان، ناهيك عما يكمن، ما زال، تحت مظهر الدولة الاستبدادية المتماسكة فى بلدان مثل السعودية وسوريا. كل شىء يوحى بأن الأحزان الكبرى لم تبدأ بعد، أو بالكاد بدأت.
مفتاح الموقف قالته بشكل بسيط سيدة مسيحية تبكى من هول ما رأته: “حانسيب لكم البلد… ونمشي… وانتو حاتدبحوا بعض زي العراق”. بنفس “المنطق العراقى”، حكام السودان مسرورون بالانفصال لأنه سيتيح لهم تطبيق الشريعة، ولكن “الترابى” أسرع بحجز مكان لتنظيمه الأخوانى فى الصراعات المقبلة بتحميل نظام البشير مسئولية الانفصال، فضلا عن مشكلات دارفور والنوبة، والبقية تأتى. المشكلة باختصار تكمن فى “الصحوة الدينية العظيمة” نفسها.
ولكن ما هى حقا المشكلة فى “الصحوة العظيمة”؟ هناك إجابات كثيرة: التطرف، القضاء على فكرة المواطنة، كراهية الآخر. وهناك إجابات أخرى على سؤال من أين أتت، بدءا بديكتاتورية النظام وقمعيته، وحتى المشكلات الكامنة فى الأديان السماوية من حيث إنكارها لأى آخر دينى، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، نظم التعليم، إلخ. الإجابة التى أطرحها ليست بديلة عن كل هذه التحليلات، بل هى محاولة لتلمس سطح الظاهرة، استكشاف طبيعتها فى تجليها النهائى، زاعمة أن البقاء عند هذا السطح هو الأقدر على تحديد طبيعتها.
ببساطة: كيف يصبح المرء مشاركا فى الصحوة الدينية؟ بمزيد من البساطة: يُدعى الشخص إلى تطهير نفسه من الشهوات، من البدع، من التقاليد الاجتماعية التى لا تلتزم بتفسير ما للنصوص المقدسة، ليصبح “نقيا”. تبدأ العملية إذن بتطهير ذاتى، يصبح هو مضمون هذا الشخص وطبيعته ورسالته. الحد الأقصى من النقاء يكون بتكفير المجتمع والدولة والعالم بأكمله على طريقة سيد قطب، والحد الأدنى هو العداء تجاه الأديان الأخرى، وتجاه “المنتسبين اسما” للدين، أى لا يشاركون فى طقوس الجماعة وعداءاتها، فهذا هو “أضعف الإيمان”.
ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا التطهير الذاتى، لأن هذا التطهير معناه أصلا أن يتحول الفرد أى تجسيد لمبدأ، وبالتالى لا معنى لنقائه إلا الشعور بانتمائه إلى تلك الجماعة الأكبر التى ترى ما أصبح يراه. معنى ذلك إقامة جماعة حديثة (لأنها قائمة على الاقتناع الشخصى، لا على روابط القبيلة والأسرة والعشيرة والحرفة، الخ)، ولكنها تتميز بأنها متمحورة حول ما هو خارجها، حول ما ترفضه، لأن هذا بالتحديد هو ما يميزها. التميز هو المهم، لأنه هو الجماعة، سواء فى الملبس أو الشعائر أو السلوك. المهم أن يكون الانتماء ظاهرا. وكلما زاد نطاق العداوة كلما زادت أهمية وتفرد الرموز. أما فى حالة التقية فيتخلى المرء عن المظهر البارز مقابل القيام بعمل أبرز، عمل تخريبى أو انتحارى. هنا لا بأس من الجينز، أو حتى التظاهر بشرب الخمر، فسوف يعلم الجميع لاحقا أن هذا التنازل كان من أجل المزيد من التميز.
جوهر الصحوة العظيمة باختصار هو بناء “ذات” متمحورة حول النقاء، الذى هو العداء. وحتى أكثر متعصبى الصحوة تحررا وعقلانية، يكفى أن تبدى أى اعتراض على مواقفهم حتى ينفجر العداء فى وجهك بلا تحفظ، لأن مطلبه لا يقل عن صناعة عالم يطابق صورة فى ذهنه. ولكن هذا العالم ليس المقصود أن يطابق صورته الواقعية، كيانه ككل، بل صورته المثالية النقية التى يأمل فى تشكيلها. هى إذن ذات متآكلة تلم نفسها حول “المبدأ”، الذى يتجسد فى جماعة، وتعانى من صناعة نفسها وفقا له. ولكنها تنتهى لهذا السبب بالذات أن الأمل فى إنجاز إعادة بناء الذات مشروط بتشكل عالم وفقا لهذه الصورة يساعده على أن يحقق ما يريد، وعلى أقل تقدير، إلى أن يحين الحين، عليه أن يناضل طيلة الوقت من أجل بناء هذا العالم. هو لن يصبح مسلما حقيقيا إلا حين يجاهد نفسه طيلة الوقت، ولن ينجح جهاده مع نفسه بشكل كامل إلا حين يعيش فى عالم يناسب هذه الصورة. العالم القائم عدو، لأنه يحرمه من أن يكون “هو هو”، هو كما يجب أن يكون.
هذا العالم القائم إذن يحرمه من السلام، يمنعه من إزالة تقطيب جبينه. يضطره للصراع ضد ما هو باطل، بدءا من واقع التراتب العالمى للقوة الذى لا يناسبه، إلى هؤلاء الكفار والأقباط والبهائيين والشيعة، مثلا. إنهم لا يحرمونه من السلام فحسب، بل أيضا من أن يحب الناس، فلو كانوا يسيرون فى الطريق السليم لكفوه كل هذا العنف ولأحبهم جميعا. قديما قال برخت: “فى أزمنة الانحطاط يكثر الحديث عن المبادئ العظيمة”، فحذار من المبادئ العظيمة.
شحنة الكراهية نابعة من صميم المبدأ، لأن أحلام “السلام الدائم”، وفقا للمبدأ، تعنى فى سياق العالم الواقعى الكفاح ضده. بطبيعة الحال كل المبادئ العظيمة، حتى تلك التى لا ترتبط بأزمنة الانحطاط، تكافح ضد العالم الواقعى. يكمن الفارق فى أنها تكافح فيه من داخله، بقواه، تحصل على هامش حريتها وتوسعه. أما مبادئ زمن الانحطاط فلا تريد هامشا أو مساحة، بل تهاجم قلب العدو مباشرة؛ لا تريد أن تحصل على حق الوجود، فقد حصلت عليه بانفصالها، بل تريد منع “الشر”، وفقا لرؤيتها، وحرمانه من الحقوق. العالم يحاصرها، ولذا تدميره هو نقطة البداية. ومهما توسعت البؤرة التى تتحرك فيها يظل هذا الآخر القائم قبالتها هاجسها. التدمير هو أساس المبدأ.
الصحوة باختصار شحنة موجهة للخارج، شحنة استعمارية بامتياز، هدفها خلاص العالم، باحتلاله، بتطهيره من كل دنس. شحنة من الكراهية الموجهة للعالم بغرض تنقية الذات. لنتذكر كيف كان الناس سعداء وهم يسمعون الشيخ كشك يخطب وقد تمزقت حنجرته: “وامرأة فى السبعين من عمرهاااااا [ويقصد أم كلثوم] تقول خذنى فى حنانك خذنى”. يا للهول.. الفسق يحيط بنا من كل جانب، وباستنكاره مع الشيخ نطهر أنفسنا، نتوقف عن الاستماع إلى هذه المرأة فى السبعين.
الصحوة هى شعور أقلوى، شعور بأننا أقلية مغلوبة على أمرها، حتى لو كنا أغلبية عددية، لأنه حتى الأنصار أو المتعاطفين ليسوا أنقياء كما ينبغى. والمجال العام ملوث. ذات يوم، فى إحدى الصحف، كتبت هبة رؤوف عزت، أحد العناصر النشطة الأكثر تنورا فى الصحوة، مستنكرة أنها وجدت فى الشارع مكتبة تضع ضمن الواجهة كتابا عليه صورة اعتبرتها غير لائقة، ودخلت مع أسرتها كافيتريا أو مطعما، لا أذكر فوجدت تليفزيونا يذيع كليبات أغانى راقصة وتعجبت من رفض صاحب المكان إغلاقه. الحد الأدنى المطلوب لا يقل عن تشكيل المجال العام بالكامل وفقا لنموذج معين. تبدو انتصارات الصحوة الإسلامية فى عينها صغيرة، والباطل هائلا.
من طارق البشرى إلى المظاهرات السلفية بشأن وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة، كان الشعور الطاغى هو الاضطهاد: الكنيسة مدعومة بالدولة وبالأمريكان أسرت مسلمتين، فيما يقال. لم تكن المشكلة هنا هى حرية العقيدة، ولا الحقوق الشخصية لهاتين المرأتين، بل ملكية الجماعة المسلمة لهما وواجب استعادتهما من الأسر. أضف إلى ذلك كل ما يقال حول ثروات الأقباط، وكأن القائلين لم يسبق لهم أن رأوا مسيحيين فقراء من جيرانهم. الدولة تغلق المساجد بعد الصلاة بينما الكنائس المسيحية مفتوحة، وفيها كميات مهولة من السلاح، إلخ إلخ.
الشعور الأقلوى بالاضطهاد أصبح محل منافسة شرسة. كل أطراف صراعات الطوائف تتنافس على أيها أكثر أقلوية وتعرضا للاضطهاد، وكأنه الجائزة الكبرى. لماذا؟ لأنه بموجب “إثبات” الأقلوية والاضطهادية يمكن تبرير كافة أشكال العنف، بوصفها تحررا، بوصفها حصولا على حق مهدر. لا جدوى فى هذه الأحوال من المناقشة، لأن الأقلوية هدف محدد سلفا، لا يمكن دحضها. والعنف الناتج عن الأقلوية لا يقتصر على تفجير الكنائس، فهذا لا يقدر عليه سوى أولى العزم، وإنما يشمل كل أشكال التمييز. تتعرض الفتيات المسيحيات للتحرشات والشتائم فى الشارع بانتظام. وتعتبر الطالبات المسيحيات الفقيرات اللاتى لا تملكن “ظهرا” الجامعة مكانا خطرا، لذلك يتكأكأن على بعضهن البعض فى أماكن متعارف عليها.
والشعور الأقلوى يبيح أيضا الاستقواء بأى شىء، فى الداخل أو فى الخارج، تماما مثلما يبيح استعمال كل جبروت متاح، من مكبر صوت ضخم موجه من الجامع نحو الكنيسة أو بيت يسكنه المسيحيون، إلى ما تيسر من شتائم فى عرض الطريق أو بواسطة الخطباء. ومن مقاطعة البقال صاحب الدين المخالف إلى إطلاق أجهزة الراديو والتسجيل تذيع القرآن بأعلى صوت ممكن، بالمخالفة لأى مبدأ متحضر بشأن الهدوء فى المناطق السكنية وغير السكنية. كذلك يبيح الشعور الأقلوى الصراع على الامتيازات، ولو كانت غير مشروعة، بحرمان البعض من التعيين فى الجامعة أو فى الحكومة أو غير ذلك، لأن هذا ليس لا سمح اللـه اضطهادا، بل هو تعويض عن الاضطهاد، عن امتيازات أخرى نالها هؤلاء دون وجه حق. وتصل هذه العملية إلى ذروتها فى الصراع على البلد نفسه: هل هو بلد “المسيحيين الأصليين” كما قال بيشوى، أو بلد أنقذ فيه الفتح الإسلامى المسيحيين، أو حتى لم يكد يكون فيه مسيحيون فى زمن الفتح كما يقول زيدان؟ من هو الضيف الذى طالت ضيافته، وبالتالى من الذى أخذ ما ليس له حق فيه؟ باختصار من الذى له حق التمتع بشعور الأقلوية والاضطهاد؟ هذه هى العلامة المميزة لمبادئ أزمنة الانحطاط.
صناعة الأقلوية هى صناعة لرموز. حين انفجرت العبوة أمام الكنيسة بدا الجامع المقابل أصل كل الشرور. حاول بعض المسيحيين اقتحامه أو حرقه جزاء مستحقا لموت الأبرياء فى عيدهم. ونزل مسلمون بالشوم دفاعا عن الجامع، وحاول أحدهم أن يصل للميكروفون ليهجو المسيحيين أو يشمت فيهم، ليعلى كلمة اللـه. لم يعد ثمة بشر، بل فقط كائنات تحمل رموزا، صلبانا كانت أم مصاحف. ولم يعد للبشر حقوق، فالحقوق للرموز وحدها، للآلهة، أو لإله واحد وفقا لنصوص مختلفة. تصبح قوة البشر أو مقاومتهم هى قدرتهم على التضحية من أجل الرمز، لأنهم يتعرضون للهجوم بوصفهم تجسيدات للرمز، إن جاز التعبير، وهو ما يُطلق عليه القتل على الهوية.
الالتفاف حول رمز هو الصورة العدائية للاجتماع البشرى. الناس فى حياتهم المعتادة يعيشون أفرادا وأُسرا. ولكنهم يلتفون حول رمز فى الحروب، والحروب الأهلية. وفى مصر أصبحت الحاجة متزايدة لهذا الالتفاف الرمزى العدوانى، فظهرت أشكال من التعصب الكروى غير مسبوقة، حيث “النادى الفلانى” فوق الجميع. صورة الائتناس، التعاطف، هى كقطعان الحيوانات وهى تجتمع فى حلقة ورؤوسها إلى الداخل لتدفئ بعضها البعض بأنفاسها فى البرد. أما الحيوانات فى حالة الحرب، فتكون أذيالها إلى الداخل لمواجهة العدو القادم من أية جهة كانت بقرونها أو بأنيابها. الالتفاف حول رمز يكون بالأذيال، لا بالرؤوس.
فى كل كارثة من نوع كارثة رأس السنة تواجه الصحوة الإسلامية مشكلة كبرى، هى التهديد بفقدان ميزة الأقلوية، بكل ما يترتب عليها. صور الضحايا وصراخهم، الذى سمعناه للمرة الأولى بفعل حدوث الحدث فى مدينة كبرى مركزية أصبح محرِجا. وكانت المظاهرات القبطية التالية أكثر إحراجا، سواء تم قمعها أم لا. لذلك كان ثمة لهجة عدائية مكبوتة فى المحطات التليفزيونية، محورها استنكار مخفف إلى أقصى حد ممكن لقيام هذه المظاهرات. ضمير الاضطهاد ضمير نقى، ضمير نابع من المبادئ العظيمة، تجرحه بعنف أية شائبة تطول نقائه بالذات، تجرحه نظرة الكراهية الصريحة، ولا يستطيع أن يتغلب على ذلك إلا بأن يُصبح أكثر عدوانية، ففى المعركة يكون الجميع، سواء كانوا مدافعين أو مهاجمين، فى حالة دفاع عن النفس، وتكون النظرة التى يراها فى عين الآخر نظرة الخوف، لا الكراهية، والخوف يتم تفسيره بأن العدو نفسه يدرك أنه على باطل.
ولكن إذا لم يتيسر المزيد من العنف، يكون تمييع الأمور هو المتاح: اعتداء على “مصر”، هز استقرار “البلد”، الأيدى الخفية تلعب فى الأشياء الداخلية، من فعل ذلك أجنبى، وغير مسلم، إلى آخره. إنه الدفاع عن الحق الأقلوى، حق الرد على الاضطهاد فى المستقبل، بعد أن تمر هذه الأيام ننسى الإحراج.
من أين أتى هذا الصراع على الأقلوية؟ ربما يحتاج فهم ذلك إلى سنوات من التفكير. ولكن لدينا مبدئيا مصدر مباشر، هو نظام يوليو. كان نظام يوليو نظاما للتحرر الوطنى والتحرر الاجتماعى. ولكن الأمر الحاسم أن صياغته لهذا التحرر أتت مفروضة من أعلى، لافتقاره إلى أية قوة سياسية تسنده لحظة تأسيسه، وتسريحه للجميع بعد التأسيس. لذلك أصبح التحرر هو قضاء هذه القوة الضئيلة، بالنيابة عن الشعب، على “الاستعمار”، الآتى من الخارج، و”أعوانه” فى الداخل، ومنع سيطرة رأس المال على الحكم والقضاء على الإقطاع، وكلاهما مشتبه فى ارتباطه بالاستعمار، فيما قيل. كان العدو إذن هو الذى يحتل بؤرة الوعى، كان ما يجب القضاء عليه أكثر وضوحا بما لا يقارن بما يجب أن يقام، سواء كان “ديمقراطية سليمة” أو “عدالة اجتماعية” مطاطة، كان المفترض أن النهضة ستحدث تلقائيا بمجرد “التطهير”، بمجرد القضاء على الاستعمار وأعوانه، تماما مثلما نحصل على الماء النقى بإزالة الشوائب. كان الأمن، حالة الطوارئ، حالة الحرب، أساس النظام. كانت الهوية الفارغة من مشروع إيجابى، سوى حلم الانبثاق السعيد للهوية المطهرة، هى البؤرة، تماما مثل الهوية الدينية التى تعمل الآن، مثل ذلك التدين السطحى، التدين الأقلوى، المتمحور حول الآخر.
مع التفكك التدريجى لدولة يوليو ورث المجتمع “مظلوميتها”، أقلويتها. فى عهد قوة النظام لم يكن بمقدور أحد أن ينازع النظام أقلويته، اضطهاديته التى هى تعبيره عن الشعب المصرى الذى اضطُهد عالميا بالاستعمار ومحليا بالإقطاع وسيطرة رأس المال. فكل من يرفع رأسه الأقلوى الخاص كان يُحسب فورا على أعوان الاستعمار. وما زال لدينا فى الساحة أناس يتصورون أن القضاء على الطائفية يكون بعودة هذا الإرهاب العام. ولكن ما يجمعهما فى الحقيقة أكبر بكثير مما يفرقهما. فى الحالتين ليس ثمة مجال لفكرة مركبة عن أى عدو، أو أى آخر، بل فكرة بسيطة طاغية لا تحتمل ظلالا ولا رتوشا. لقد بُنى نظام على الكراهية، على حالة الحرب، وأورث كراهيته لسكانه.
كان المطلوب “تطهير” البلاد، والتطهير هو بالضبط عكس التطهُّر. التطهر أن تتفهم تناقضاتك وترتقى بنفسك عبر آلام التناقض. أما التطهير فهو أن تلقى كل ما لا يعجبك فى نفسك على الآخر وتمتشق السلاح وتحاربه، ظنا منك أنك بذلك تتطهر. التطهر أن تبنى بلدا من خلال علاقات حوار وصراع ومساومة معقدة، تعترف فيها أصلا بحقوق للآخرين وتفاوض عليها بناء على قواعد متعارف عليها، أيا كانت. التطهير أن تتخلص منهم أو تضعهم تحت حذائك إلى أن “يهتدوا”، أو أن يقروا بأنك الأعلى والأحق، أنك السيد هنا، ليس لشخصك لا سمح اللـه، بل لأنك الحامل غير المنازَع للمبادئ العظيمة غير المنازَعة.
فى المسرح المحترم يحدث لك التطهر، لا التطهير. حين تتفرج على التراجيديا ترى هواجسك مجسمة، فتتعاطف مع البطل المهزوم، وحين تشاهد الكوميديا، ترى كيف تبدو هواجسك مضحكة. بأشكال مختلفة تتصالح مع ما هو إنسانى، لا ما هو منتصر. أما فى الميلودراما، فتخرج طاقتك العدوانية فى التعاطف مع البطل الذى يجمع بين الحق والقوة، ضد الشرير الذى يجمع بين الشر وبين قوة تبدو قاهرة فى البداية، إلى أن تنهزم. وفى الملهاة (الفارْس) تتشفى فى وضاعة البطل. الميلودراما والملهاة هى إحساس التشفى، هى التطهير، لا التطهر.
لقد عشنا طويلا زمن التطهير والكراهية، زمن إيديولوجيات التطهير والوصاية، زمنا ميلودراميا بامتياز. ولم تكن الصحوة الإسلامية إلا شكلها الأبرز مؤخرا، برؤيتها الميلودرامية العدوانية. وليست مظاهرات الصليب إلا رد فعلها الذى يشاكلها، يريد أن يكون ندا لها.
لو كانت أغلبية سكان البلاد بهذا الشكل فنحن على أبواب تسلسل من الكوارث، لن تنتهى إلا بعد مجازر مفجعة، تعلِّم الناس أن التطهير لا يؤدى إلى شىء، وأنه لا بد من العودة إلى التطهر، إلى ما هو إنسانى وإيجابى وخلاق.
ولكنى ما زلت آمل أن هناك أغلبية لم تبتلعها بعد قوة التطهير اللامركزية. ما زلت أفكر أن هناك كثيرون مثل تلك السيدة المسيحية، يدركون، أو حتى يشعرون، بأنه، حتى لو “سبنالكم البلد”، “حتدبحوا بعض زى العراق”، يدركون أن التطهير وحش لا يشبع، وأن عالما بلا تنوع، أى وفقا للأصولية عالم بلا خطايا، هو عالم بلا داخل، عالم يتمحور حول الأذيال، لا الرؤوس، وغير قابل للحياة، تماما مثل عالم من النور الدائم المستمر، بلا ظلام، نهار بلا ليل، لا يمكن الحفاظ عليه إلا بالدمار، إلا بالتعقب الذى لا ينتهى لكل ظلام أو شُبهة ظلام أو خفوت فى الضوء.
آمل أن هناك أغلبية تستطيع أن تشعر أن الصحوة الدينية لا تستطيع أن تنشئ دولة ولا بلدا، بل فقط جماعة طالبان، حتى لو أصبح لها علم ونشيد وجيش نظامى. ستظل كما نظام يوليو شبه دولة، حالة طوارئ، أو بالمصطلحات المستعملة، “دولة دعوة”، تضم بشرا عبارة عن تجسيدات للمبادئ، هياكل لا تكاد تتنفس، أصنام تعبد نفسها وتدمرها فى نفس الوقت. آمل أن يدركوا فى النهاية أن كل خلاص وكل حلم به هو بالضبط العدم، أن الحياة لا تكمن فى الخلاص، بل فيما يتخطاه.
هذا هو زمن التضامن الإنسانى، زمن إخضاع المبادئ العظيمة للبشر.

