width text-align:right; text-align:right;

يناير٢٠١١

التنمية فى “عالم مبارك”: طوق النجاة أم حبل المشنقة؟

عمرو إسماعيل

 

مع اكتساح الحزب الوطني الحاكم لما يزيد عن ثلاثة أرباع مقاعد مجلس الشعب وانحسار ظل المعارضة على نحو غير مسبوق منذ عقود، خرج علينا أقطاب النظام تحليلات يسوقون فيها أسباب فوز الحزب الكاسح، ولم يغب عن ذهن أحدهم الإشارة لما تحقق من منجزات اقتصادية واجتماعية عملا بخطة الرئيس التنموية والتي طرحها في 2005، والتي ذكر يوسف بطرس غالي من قبل أن ما يربو عن ثمانين فى المائة من المخطط فيها قد تم تحقيقه. وعدد السيد أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني في مقاله الأول في جريدة الأهرام هذا الأسبوع أمارات وعلامات ارتفاع الدخول وتحسن مستويات المعيشة كاشتراكات المحمول ومبيعات السيارات الخاصة وغيرها.

بغض النظر عن العوامل الحقيقية التي مكنت الحزب الوطني من احتلال البرلمان بشكل شبه كامل، وبغض النظر كذلك عن دقة الأرقام والبيانات التي ما فتئ عز وغالي والشريف وهلال وغيرهم يطلقونها علينا في السنين، بل والعقود الماضية، لا يخفى على أحد أن النظام الحاكم في مصر في ظل الرئيس مبارك لطالما استند إلى “التنمية” كمصدر لشرعيته وكمبرر لبقائه. كما أني أذكر أنه عندما اشتد ساعد الدوائر المؤيدة للدكتور محمد البرادعي في مطالبه بتعديل الدستور وإطلاق الحريات في مصر، منذ سنة، شن الرئيس مبارك في خطاب بإحدى المناسبات القومية هجوما عنيفا على الحركات الاحتجاجية والمعارضة متهما إياها بالترويج لهتافات وشعارات، وطالبها ببيان برنامجها وخططها لجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل وتحسين حال محدودي الدخل.

 هذا الكلام ليس بجديد إطلاقا، فقد استند النظام الحاكم في مصر طويلا إلى “التنمية الاقتصادية” باعتبارها أساس شرعيته في تولي مقاليد الأمور والبقاء على رأس السلطة. وليس جديداً أن تستند نظم سلطوية لمؤشرات التنمية الاقتصادية كمسوغ لبقائها غير المنتخب ديمقراطياً في الحكم. والصيغة في هذه الحالات بسيطة تقوم على تقديم الحقوق الاقتصادية في مقابل التغاضى عن الحقوق السياسية. فالحكام السلطويون يتخذون من السياسات والإجراءات ما يولد نموا اقتصاديا على المدى البعيد على نحو يضمن تحسناً مستمراً ومطرداً في مستويات المعيشة للغالبية أو للقطاعات ذات الثقل في المجتمع، ومن ثم تشيع حالة من الرضا العام، وإن كان سلبيا، يُمَكِّن هذه النظم من الإبقاء على آليات حكمها القمعية دون الحاجة لإطلاق الحريات لمواطنيها. كان هذا الحال في كثير من الدول النامية ككوريا الجنوبية وتايوان والبرازيل والمكسيك في الستينيات والسبعينيات، ولا يزال هذا حال الصين في الوقت الراهن.

 ولكن الإشكال الحقيقي في مصر أن سجل التنمية الذي حققه نظام مبارك في العقود الثلاثة الماضية شديد التواضع بما يجعل استناد النظام إليه كأساس للشرعية محل تساؤل وباعثا لحيرة الباحثين والمتابعين. وليس مبارك ولا أركان نظامه العتيد من السذاجة بحيث يعولون على سجل متواضع من التنمية حققوه في الثلاثين سنة الماضية، فلا يزال نصف سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر المطلق بحصولهم على ما يعادل دولارين ونصف في اليوم، ولا تزال الأمية مستشرية فيما يقارب ثلث السكان، ومعدلات البطالة الحقيقية تتراوح ما بين 15 و20 فى المائة، إضافة إلى اتساع فروق الثروة والدخل بين الأغنياء والفقراء، وتفشي الفساد الإداري والسياسي على مستويات عدة داخل جهاز الدولة.

ومن الناحية المقارنة، سجلت مصر في تقرير التنمية الإنسانية الأخير لعام 2007 معدلات دنيا مقارنة بدول الشرق الأوسط (0.6)، وأتت في مرتبة أقل من دول كتونس والجزائر وسوريا والأردن، واقتربت في كثير من المعدلات مع دول أشد فقرا من مصر كاليمن والسودان. ناهيك بالطبع عن مقارنة مصر مع الأداء الاقتصادي لدول كماليزيا وتايلاند والمكسيك والبرازيل، التي نجحت في ذات الفترة، أي منذ السبعينيات، في إعادة هيكلة صادراتها لصالح القطاعات الصناعية، ومن ثم حسَّنت كثيرا وضعها في الاقتصاد العالمي، ونجحت في توليد وصيانة معدلات مرتفعة من النمو.

والخلاصة، ولعلها ملاحظة ليست بخافية على أحد، سجلت مصر إجمالا معدلات متواضعة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية في عهد مبارك، مما يضع النظام برمته في خانة النظم السلطوية التي تنازع من أجل اكتساب أي قدر من الشرعية في مواجهة الفئات الأعرض من شعبها، فلا هي منتخبة ديمقراطية، ولا هي بمحققة للتنمية الاقتصادية الموعودة، أي ببساطة شديدة هي نظم تفتقد للحد الأدنى من مبررات البقاء، وهي تعوض هذا الافتقاد بمزيد من القمع والبطش وبترميم ودعم شبكات فساد ممتدة تضمن تحييد القوى الاجتماعية القادرة على تحديها.

في ظل هذه الظروف، يأتي خطاب نظام مبارك السياسي مستندا للتنمية وليس مستندا لها في ذات الوقت. فمبارك لا يكتفي بتبرير شرعية بقائه واستمرار نظامه بعد ثلاثة عقود متصلة بالإحالة إلى ما تحقق بالفعل من إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية، لإن السجل كما ذكرنا متواضع، بل يشير دوما، أيضا، إلى الخطط والبرامج التي يضعها النظام في سبيل حفز الاستثمار وتوليد فرص عمل والتخفيف من حدة الفقر ورفع مستويات المعيشة، أى على اعتبار ما سوف يتحقق. ومن ثم يعتبر النظام أن “النوايا الطيبة” و”الرغبة الجادة “في تحقيق التنمية مسوغا كافيا لبقائه بدلا من المنجزات المتحققة على الأرض خلال ثلاثين سنة.

على عكس العديد من المراقبين فإني لا أشيح بنظري عن هذا الاستخدام الملتوي لمفهوم التنمية باعتباره مجرد لعبة لفظية أو محض كلام من قبيل “فض المجالس”، لأننى أرى أنه يكشف عن كيفية صياغة مبارك ورجالات نظامه لمفهوم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكيفية ربطها بشرعيتهم السياسية وتماسكهم كطبقة حاكمة سبق وصولها للسلطة مولد أكثر من نصف سكان هذا البلد. بناء على ذلك، سأحاول في هذا المقال أن أحلل، وربما أفكك، مفهوم التنمية الاقتصادية كما يرسمه نظام مبارك في خطاباته ومؤسساته وأجهزته الإدارية وبرامجه وشراكاته مع الدول المانحة والمنظمات الأجنبية، ومن ثم تبيُّن كيف يرى مبارك ونظامه أنفسهم في مرآة التنمية.

*

تميل العلوم الاجتماعية إلى تعريف التنمية باعتبارها عملية اجتماعية ممتدة تنطوي على تفاعلات معقدة ومتعددة الأبعاد تنتهي إلى تحسين مستويات معيشة الأفراد والجماعات ذات الصلة. فعلى سبيل المثال يتطلب تعميم التعليم الابتدائي تغييراً في نمط العلاقات الاجتماعية للمجتمعات المحلية، بحيث يقرر الآباء إرسال أبنائهم وبناتهم للمدارس، وهو ما يستوجب الحد من عمالة الأطفال وتوفير فرصا بديلة للكسب للأسر الفقيرة، وربما يستلزم تطوير أطر مؤسسية للتواصل مع المجتمع والمستهدفين من التنمية. وكذا الحال مع الرعاية الصحية وتمكين المرأة وحماية الأطفال والمعاقين وغيرها من الفئات التي تقف في قلب عملية التنمية.

ولكن “عالم مبارك” عالم له قواعده الخاصة؛ فالتنمية ليست عملية اجتماعية ولا تنطوي على أي تعقيد، بل هي عبارة عن سلسلة من التدخلات التي تجريها الدولة من طرف واحد ببناء مدرسة أو شق ترعة أو إقامة كوبري علوي وغيرها من عناصر البنية الأساسية التي تجمعها الحكومة في تقاريرها السنوية على هيئة أرقام تعكس جهود التنمية ونتائجها، ويستخدمها السياسيون مرارا وتكرارا لكي يمنوا على الشعب المصري، بتذكيره بهذه الصروح والإنشاءات. وفي هذا السياق تصبح التنمية مساوية للتدخل البطئ والحريص لأجهزة الدولة، بينما يتحول المواطنون إلى المادة التي تنطبع عليها التنمية، وتصبح العلاقة شبيهة بعلاقة الصانع بمادته، كعلاقة النجار بالخشب والخراط بالحديد. ومن هنا تصبح مشكلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر هي المصريون أنفسهم، بمعدلات مواليدهم المرتفعة وقيمهم البالية وعاداتهم الخاطئة. وما أحب إلى نفس مبارك من مقولة أن الزيادة السكانية تلتهم النمو الاقتصادي في مصر، وكأنه يقول للمصريين أن هناك تنمية ولكنكم لا تشعرون، مذكرا إيانا بمحمد صبحي في فصل الديكتاتور في مسرحيته تخاريف حينما قال لمعارضه “البلد كانت مبسوطة بس أنت كنت مسافر!”.

في هذا العالم، عالم مبارك، التنمية هي صراع بين الإنسان والطبيعة، الإنسان هو النظام بأجهزة الدولة والنخب الحاكمة، والطبيعة هي مصر والمصريون، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر لا يختلف في جوهره عن بناء السد العالي لمنع فيضان النيل أو استزراع الصحراء الجرداء. وبمجرد أن تُنزع الصفة الاجتماعية عن عملية التنمية لصالح التدخل التكنولوجي أو الإداري للدولة، يصبح الواقع أو الوجود الاجتماعي مجزأً، يتكون من جزر منعزلة تطير في فضاء رحب لا يربطها رابط ولا يوحدها منطق؛ فالطبيعة منفصلة عن المجتمع والاقتصاد، والاقتصاد بدوره منبت الصلة عن السياسة، وكل في فلك يسبحون.

ويتجلى هذا المنطق في قولين محببين إلى قلب مبارك وابنه وزوجته وكثير من رجال نظامه فيما يخص “تأخر” التنمية في مصر والصعوبات التي تواجهها: الزيادة السكانية ومحدودية الموارد الحقيقية. أما بالنسبة للزيادة السكانية فربما كانت المعدلات المرتفعة لزيادة المواليد بالفعل تمثل ضغطا متزايدا على الاقتصاد، ولكن استمرار المعدلات على ارتفاعها النسبي في الثلاثين سنة الأخيرة تحت حكم مبارك ليس فعلا للطبيعة يسوغ إلقاء اللوم على المصريين لأنهم “كتير وبيخلفوا كتير”، لأن استمرار ارتفاع معدلات الزيادة السكانية نتيجة كما هو سبب لضعف معدلات التنمية الاجتماعية في مصر؛ فطالما ظلت الأمية متوطنة بين النساء وبالأخص في الريف، وطالما ظلت الأسر تعمل في القطاع غير الرسمي معتمدة على كثافة عمالة أبنائها، سيستمر الحافز لزيادة المواليد، وينخفض الوعي بتنظيم النسل. فالمواليد لا يهبطون من السماء بل يأتون من نساء يعانين من الفقر والجهل والقهر والسن المبكرة للزواج والإنجاب وضعف المشاركة في سوق العمل.

ويظهر استقلال الطبيعة عن الاقتصاد والمجتمع كذلك عند الحديث عن “الموارد الحقيقية”، التي استخدمت مؤخرا كحجة على زيادة الحد الأدنى للأجور من دوائر عدة داخل النظام ومقربة إليه. قال الرئيس مبارك في أكثر من مناسبة أن زيادة الأجور يجب أن تموَّل من موارد حقيقية حتى لا تؤدي إلى تضخم، وشاركه في ذلك خبراء المالية والبنك المركزي. وما من شك في أن اللجوء لطبع النقود كوسيلة لزيادة الأجور لن يؤدي إلى زيادة حقيقية، بل مجرد اسمية لا تغني ولا تسمن من جوع. ولكن الإشكال يكمن في مفهوم الموارد الحقيقية كما يستخدمه النظام الحاكم في مصر، والذي غالبا ما يراها باعتبارها موارد اقتصادية تنشأ بمعزل عن الاقتصاد، كاكتشاف بئر بترول أو حقل للغاز الطبيعي أو مناجم للذهب أو كنز مدفون من الياقوت والمرجان. لذلك ليس من الوارد فى هذا “العالم” الحديث عن المتطلبات المؤسسية والاجتماعية والسياسية لتنمية الموارد، ولا الحديث عن إعادة توزيع الثروة من الفئات الأكثر ثراءً للفئات الأكثر فقراً، علما بأن 20% من السكان يحصلون على 43% من الدخل بينما يحصل 40% على حوالي 15% منه. إذن، يؤكد الحديث عن الموارد الحقيقية الفصل المتخيل بين الطبيعة من جهة والاقتصاد والمجتمع من جهة أخرى في العالم العقلي لمبارك ونظامه.

ويشمل هذا الواقع المجزأ انفصال الاقتصاد بدوره عن السياسة والمجتمع، كأن الاقتصاد عبارة عن شركات ومصانع ومؤسسات تضطلع بعملية الإنتاج في فراغ. وبالتالى يصبح أى حديث جاد عن المتطلبات المؤسسية للنمو الاقتصادي غير وارد. وأقصد بالمؤسسات هنا القواعد الحاكمة للتفاعل بين الدولة كفاعل عام يملك سلطة صياغة القوانين واللوائح، والفاعلين الاقتصاديين في القطاع الخاص الذين يضطلعون بالإنتاج والتوزيع، وكذلك الفئات الاجتماعية الأكثر اتساعا كالعمال والمستهلكين وغيرهم.

صحيح أن الدولة في مصر تملك بيروقراطية اقتصادية ضخمة، بل متضخمة، تشمل على سبيل المثال لا الحصر وزارات المالية والتجارة والضمان الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والتنمية الإدارية والتجارة والصناعة وغيرها، إلا أن هذه الأجهزة الحكومية تفتقر إلى لفعالية والقدرة المؤسسية على صياغة رؤى واضحة ومتسقة للتنمية على المدى البعيد والمتوسط، ناهيك عن أي قدرة على اتباع سياسات واضحة المعالم لتطبيق الخطط التنموية التي لا تتوانى البيروقراطية عن وضعها. وليس بخاف أن إدارة الموارد الاقتصادية في مصر افتقدت طويلا لرؤية شاملة، وأمثلة تخصيص الأراضي الأخيرة شاهد على ذلك، بالإضافة إلى ملفات السياسات الضريبية والتنمية الصناعية والتعليم والتدريب الفني.

بناء على ذلك، يفرض فساد الجهاز الإداري للدولة وعدم كفاءته تكلفة باهظة على الاقتصاد برمته، وإن كان من الصعب حسابها بدقة. كذلك يقوض ضعف المؤسسات التعليمية وغياب الرعاية الصحية مهارات العمالة اللازمة لتحقيق التنافسية لأي اقتصاد وطني. والحال أن إصلاح هذه المؤسسات مسألة ذات أبعاد سياسية تتعدى مجرد المعالجة الإدارية أو التقنية، ومن ثم يصبح النظام السياسي ذاته بمؤسساته وممارساته والعلاقات التي تجمع مكوناته معا في مواجهة المجتمع عبئا على التنمية الاقتصادية ذاتها. ولكن طبقا للمفهوم الذي يتبناه نظام مبارك للتنمية ليست هناك خلفيات اجتماعية أو سياسية للنمو الاقتصادي لأن النمو ليس سوى نتاج لعمليات إنتاج منعزلة تجري في إطار غير اجتماعي.

بهذا المفهوم الممزَّق للتنمية، الذى تنفصل فيه الطبيعة عن الاقتصاد، والاقتصاد عن السياسة والمجتمع، تصبح التنمية مساوية لمجرد محاولات النظام لتحسين مستويات المعيشة والتخفيف من حدة الفقر وخلق فرص العمل، وليس الأداء الاقتصادي ذاته الناتج عن سياسات النظام. بهذا المنطق استند تقييم أداء النظام في العقود الثلاثة الماضية لمعيار النوايا الحسنة والجهود المبذولة وليس إلى المنجزات والنتائج. كما أصبح منطق ربط التنمية بشرعية النظام السياسي هو منطق “كتر خيرك”. يضاف إلى ذلك أن “التنمية” غير محددة المعالم، بلا ملامح ولا أهداف معلنة ولا أدوات للتقييم ولا فترات زمنية معينة، فهي عملية مفتوحة غير محددة الأجل، تماما كالنظام وكحكم مبارك شخصيا، فهي عملية لا نهائية، لذا ليس من الممكن تقييمها، لأن “الثقيل ورا”، والتنمية لم تتحقق بعد، وبذلك تنضم عملية التنمية للعمليات الأخرى المفتوحة الأبدية كالتحول الديمقراطي في مصر وعملية السلام في الشرق الأوسط.

على أن نجاح خطاب مبارك ونظامه في استخدام التنمية بصرف النظر عن نتائجها كأساس لشرعية نظامه السياسي لم يمنعه من استخدام فشل التنمية كمبرر إضافى لبقاء النظام. فأتذكر محاضرة ألقاها أحد السفراء (فتح اللـه عليه بمنصب في الأمم المتحدة فيما بعد) علق فيه على الانتهاكات التي شابت انتخابات 2005 البرلمانية بحضور عدد من المراسلين والطلبة الأجانب بقوله إن الانتخابات كانت حرة جزئياً، لأن مصر لم تزل في مخاض التحول الديمقراطي (الأبدي؟!)، وليس بالإمكان إطلاق الحريات السياسية بينما ثلث سكان البلد عاجزين عن القراءة والكتابة. ولكن عاجله أحد الحضور الأجانب قائلا إنه ربما كان ارتفاع معدلات الأمية في مصر ناتجا عن فشل نظام مبارك في خلال خمسة وعشرين عاما من الحكم في تحقيق حدٍ أدنى من التنمية الإنسانية، ومن ثم ليس من المقبول منطقيا أن يتحجج النظام بفشله كمبرر لاستمرار حكمه السلطوي. لقد كانت هذه لحظة حقيقة كان النظام الحاكم صادقا فيها مع نفسه، التمس فيها مبرر بقائه في السلطة في ذات فشله.

ينتمي نظام مبارك إلى الدرك الأسفل من النظم السلطوية، وهي تلك التي تجمع بين القمع السياسي والإقصاء من جهة، وغياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. والإشكال أن القيود المؤسسية والسياسية التي تواجه دور الدولة التنموي في مصر نابعة بالأساس من تركيب النظام الحاكم، الذي يفتقر في أغلب تفاصيله إلى المحاسبة والمساءلة، ويدير أموره من خلال شبكات ممتدة غاية في الشخصنة وغير الرسمية والفساد. وبما أن سجل النظام في عقوده الثلاثة الماضية لا يبرر استمراره بحكم تواضع العائد التنموي من سياساته الاقتصادية والاجتماعية، قام توظيفه لمفهوم التنمية على تصور لا-اجتماعي لعملية التنمية، يردها إلى جوانب فنية وإدارية بحتة تخلو من أي تعقيد سياسي أو اجتماعي، ويجرى فيها تصوير دور الدولة في التنمية فى هيئة فلاح يحرث الأرض في مشهد ثابت ومتجمد لا تسبقه ولا تلحق به مشاهد أخرى، وحين يأتى المحصول قليلا، يقال إن السبب هو جدب الأرض وفقرها.

اترك تعليق