width text-align:right; text-align:right;

ديسمبر٢٠١٠

لماذا تشترك لتخسر في لعبة غير عادلة؟ .. محاولات في فهم مشاركة المعارضة المصرية في انتخابات مجلس الشعب

نديم منصور 

 يحكى أن… كانت هناك انتخابات نزيهة وعادلة، اشترك فيها العديد من الأحزاب والمجموعات السياسية في حرية وتنافسية؛ حيث طرحت الأحزاب برامج سياسية توضح رؤيتها في كيفية إدارة الدولة واختار الناخبون –الذين يشكلون مجتمعا/ جماعة معنية بعملية إدارة الدولة وواعية سياسيا- المنتخَبين في البرلمان بناء على ما كتبوه في برامجهم الانتخابية وتصوراتهم عن قدرتهم على تطوير سياسات في مصلحة المجتمع والبلد بشكل عام. بغض النظر عن إمكانية حدوث هذه “الحكاية” في البلدان الديموقراطية أو غيرها، وهو أمر يمكننا التشكيك فيه، لا يمكن بأي حال تصور حدوثها في مصر، في الماضي أو المستقبل القريب. فأي متابع للعملية السياسية في مصر يعلم أولا أن الانتخابات التشريعية والرئاسية غير نزيهة أو عادلة وليس فيها تنافس حقيقي على السلطة؛ كما يعرف الجميع أن مجلس الشعب لا يلعب دورا حقيقيا في صياغة القوانين أو التأثير على السياسات، وبالتالي فمن غير المتوقع من أي مرشح أو نائب برلماني معارض أو تابع للنظام أن يلعب هذا الدور بصفته الرسمية. هذا بجانب –أو بغض النظر عن- التجاوزات الواضحة، والتزوير خارج وداخل لجان الانتخابات، والدور المحوري للبلطجية وشراء الأصوات وغيره من أمور معروفة للجميع.   

 فى مواجهة ذلك، ومع الزخم النسبي في الفترة الأخيرة لمجموعات سياسية معارضة (أهمها “الحملة الشعبية لدعم البرادعي” وغيرها) تطالب بشكل أساسي بمطالب ديموقراطية – يتعلق أغلبها بنظام الانتخابات- تزايدت أصوات المعارضة التى تدعو لضمانات لانتخابات عادلة ونزيهة أو لمقاطعة الانتخابات. ولكن كالمتوقع لم يتم توفير هذه الضمانات، وأيضا لم تنجح فكرة المقاطعة. فتقريبا كل الأحزاب والجماعات السياسية التي تملك فرصة حقيقية في النجاح بنسبة ما في هذه الانتخابات أعلنت مشاركتها الواحدة تلو الأخرى –أهمهم بالطبع الإخوان، ومن الأحزاب الوفد والتجمع- وسط استنكار، وفي بعض الأحيان اندهاش، المجموعات السياسية الداعية للمقاطعة.                   

  

وهنا يأتي السؤال، لماذا يرى المرشحون خارج الحزب الوطني، من مجموعات المعارضة “التقليدية”، أن من مصلحتهم الاشتراك في مثل هذه الانتخابات، التى يعرفون أنها لعبة “غير عادلة” وغير ديموقراطية وبلا “ضمانات”؟                    

الإجابة السريعة هي خيانة الكفاح في سبيل الديموقراطية وإبرام صفقات مع النظام. قد تكون هناك صفقات مع النظام، وقد لا تكون الديموقراطية من ضمن الأهداف الأولى لهذه المجموعات، ولكن هذه الإجابة لا تبدو كافية لعدة أسباب. أولا، لابد لمجموعة سياسية –معارضة في النهاية- بحجم الإخوان أو أقل حجما- أن يكون لها دافع قوي لإبرام صفقة (إن وجدت) أو الدخول في لعبة غير عادلة تعلم مسبقا أنها “خاسرة” فيها، وهو أمر لا توضحه الإجابة السابقة. كما لا يمكن إنكار وجود تنافسية حقيقية –وإن كانت غير عادلة- في انتخابات مجلس الشعب؛ على الأقل بسبب حجم الموارد التي تبذل في سباق الانتخابات. لا شك أن هذه المجموعات لا تهدف حقا من دخول الانتخابات إلى المشاركة في صياغة التشريعات أو التأثير الجدى على سياسات الدولة، ولكن من الواضح أيضا أن هناك دورا أو مصلحة أخرى تكمن وراء خوض المعركة الانتخابية.                    

ما هى تلك المصلحة؟ ربما كان الأيسر أن نبدأ بالتساؤل حول دوافع النظام الحاكم لإجراء انتخابات “تبدو” تنافسية. وهو ما يعنى طرح سؤال: ما هو دور الانتخابات التشريعية في مصر؟                    

الإجابة الأسهل والأسرع معروفة: إضفاء الشرعية خارجيا وداخليا على النظام المصري. ولكن مرة أخرى، هذه الإجابة غير كافية، وإن كانت تملك جزءا من الحقيقة. صحيح أن النظام يحتاج إلى ادعاء أن الانتخابات ديموقراطية- حتى لو كان لا يجد أحدا يصدقه، لأسباب متعددة لا أريد الدخول فيها لأنها ستبعدنا عن السؤال الذى يطرحه هذا المقال. ولكن لا يمكن اعتبار أن شرعية النظام معتمدة على نزاهة الانتخابات، تماما مثلما لا يمكن تفسير حجم الإنفاق والتنافس بين المجموعات وبين الأفراد – من داخل الحزب الوطني- وغيره بأنه مجرد أداء أدوار فى مسرحية مملة نتائجها معروفة مسبقا.                    

هناك محاولات أخرى أكثر عمقا –وإن كانت قليلة- لفهم دور الانتخابات النيابية “التنافسية” في مصر. ربما من أهمها تفسير “ليسا بلايدس” لدور الانتخابات التنافسية كنظام لإدارة النُخَب في مصر. بمعنى أدق، إدارة توزيع ريع الدولة ومزاياها على النخب التي تحتاجها الدولة –مثل رجال الأعمال وكبار البيروقراطيين ورؤوس العائلات والقبائل وما إلى ذلك. إذن المرشح هنا يسعى، أو يدخل في صراع، للحصول على مزايا، أو سلطات، أكبر مما لديه من خلال علاقته بالدولة.                    

 إذن، نحن نتكلم عن صراع سلطة، أي مازلنا نتكلم عن صراع سياسي وليس مجرد تمثيلية. هو ليس صراعا عادلا، ولا نزيها، ولا هو من أجل الديموقراطية، ولا حتى صراع بين إيديولوجيات مختلفة… إلخ، ولكنه صراع على السلطات والموارد –في حدود فهو ليس بهدف السيطرة على الدولة بالطبع- وهو صراع سياسي.                    

قد يكون دور الانتخابات في إدارة توزيع ريع الدولة على النخب كافيا لتفسير صراع أعضاء الحزب الوطنى، من المرشحين الرسميين والمستقلين، ولكنه لا يبدو مقنعا بالنسبة للمجموعات المعارضة، من أحزاب أو جماعة الإخوان. فلا يمكن مثلا تخيل أن الدولة سوف تسهل لنائب الإخوان الوصول إلى مزاياها الريعية. ومع ذلك يحصل نواب المعارضة والأخوان على مزايا الحصانة والشرعية والقدرة وغيرها. ولكن الشرعية والقدرة على ماذا؟ يمكنني أن أدعي هنا مبدئيا أن الصراع هنا أيضا صراع على الشرعية والقدرة على ممارسة السياسة –أو بناء السلطة. يعني هذا الطرح أننا نتكلم عن صراع سياسي، أو منافسة، للوصول إلى مزايا تزيد القدرة على العمل السياسي وتسمح به. هذا الطرح قد يكون غير واضح حتى الآن، وخاصة كلمة “سياسي” الثانية في الجملة السابقة.                    

*                    

انتقلنا بالفعل في الجزء السابق من المقال من التساؤل حول دور الانتخابات، إلى التساؤل عن سبب تقدم الفرد المعارض، أو المستقل (أو حتى التابع للحزب الوطني) للترشح في انتخابات مجلس الشعب. ولاستكمال الإجابة عن هذا التساؤل يجب أن ننتقل إلى التساؤل حول كيفية اختيار نائب مجلس الشعب.                    

لماذا تشترك لتخسر في لعبة غير عادلة؟

  

نحن نعرف بالفعل أن دور النائب الحقيقي ليس الإسهام بشكل إيجابي في مراقبة أداء الحكومة وإصدار التشريعات، ولا تمثيل اتجاه إيديولوجي أو رؤية سياسية معينة، وما إلى ذلك. فلا يتم اختيار النائب على هذا الأساس، كما ذكرتُ في بداية المقال. على أى أساس إذن ينجح مرشح مجلس الشعب في الانتخابات؟ يتم هذا عادة بتطوير علاقات ريعية وما يشبهها مع أهل الدائرة الانتخابية، بإقامة شبكة خدمات، بالإضافة إلى إجراءات تتم أثناء عملية الانتخابات مثل شراء أصوات والتنسيق غير الرسمي مع الأمن أو/و البلطجية وغيرها؛ هذا كله يعتمد على قدرته على تمثيل شبكة غير رسمية من المصالح. والمقصود بغير الرسمية أنها غير منظمة، بمعنى أن المرشح لا يمثل مجموعة من الجمعيات الأهلية أو النقابات أو غيرها من أشكال المصالح المنظمة ذات المطالب الجماعية التى تعبر هذه التنظيمات عنها وتضغط لتحقيقها. لذلك يكون دور النائب بعد انتخابه في الغالب امتدادا لأسباب انتخابه الحقيقية هذه، أي توفير خدمات ريعية مختلفة، وتمثيل شبكة المصالح المتناثرة ذات طابع ريعي وغير رسمي في الغالب.                     

 يمكننا الآن أن نعود إلى سؤال حول معنى الشرعية والقوة، أو القدرة على التأثير، أو القدرة على العمل السياسى. سبق وذكرتُ أن شرعية النظام المصري لا تعتمد على وجود انتخابات ديموقراطية، وهو ما تناوله الكثير من المحللين السياسيين، بل يعتمد على آليات أخرى من أهمها المحافظة على درجة ما من علاقته الريعية مع الطبقات المختلفة، والمحافظة على اعتمادية  شبكات مختلفة من المصالح، غير الرسمية في الغالب، على النظام –بدرجات مختلفة أيضا. هذا بالإضافة إلى عدم إتاحة أساليب أخرى لتحقيق المصالح، وبالتالي غياب إمكانية تطوير نموذج آخر لتحقيقها –من خلال العمل الجماعي والتنظيم المباشر والرسمي مثلا- وهو ما يمكن أن نُرجِعه إجمالا إلى نجاح النظام فى منع إقامة أى نموذج بديل، بخلاف هذا النموذج غير الرسمى، لبناء قوة سياسية متجذرة في المجتمع.       

 لا شك أن المعارضة التقليدية قد مرت بتغيرات مهمة في شكلها وما يبدو من قوتها وما إلى ذلك، مثلها مثل النظام الحاكم والحزب الوطني. ومع ذلك نجد أن هذه المجموعات السياسية، النظام والمعارضة بأشكالها، مستقرة في وضعها نسبيا منذ حوالي ثلاثين عاما. فالوطنى أو مرشحى النظام دائما فى الصدارة، وبعد مسافة ضخمة هناك الأخوان، وأخيرا بعض الأحزاب المعارضة.                    

هذا يرجع إلى أن المجموعات المعارضة مرتبطة بنموذج مشابه لما يستخدمه ويفرضه النظام لبناء السلطة والشرعية، أى لبناء قوة سياسية متجذرة اجتماعيا معتمدة على شبكات المصالح اللا رسمية. فى هذا النموذج، يملك النظام، بطبيعة الحال، اليد الأعلى باستمرار، لأنه يسيطر على مؤسسات الدولة ومواردها، وقادر على تخطي المؤسسات وإعادة تشكيل أدوارها، ومرتبط عضويا بالنموذج الأساسي لتراكم رأس المال من خلال نخب البيروقراطية في الفترة الناصرية وما بعدها، وبفئة رجال الأعمال المرتبطة بالفساد، وغير ذلك من مصادر قوته.                          

 بناء على هذا كله يتبين أن شبكة المصالح المحلية غير الرسمية هى “وحدة” unit العمل السياسي في مصر، أى أساس البنية السياسية القائمة. فالأفراد المستقلون الذين يتصرفون سياسيا وفقا لخيارات فردية مجرد فكرة غير متحققة؛ ولا يوجد وعي اجتماعى على المستوى القومي أو وعي عام لطبقات أو فئات اجتماعية واسعة، لتصبح الفئة أو الطبقة هى الوحدة التى يعتمد عليها العمل السياسى. واقع الحال أن الوحدات الفاعلة هى جماعات/ نخب محلية، تتمثل بشكل واضح في نموذج القبائل أو العائلات الكبيرة، وأشكال أقل وضوحا.       

والآن، ما هى طبيعة العلاقة بين هذه الوحدات المحلية والقوى السياسية القائمة؟ هذه “الوحدات” غير مرتبطة بشكل ضروري بتصرفات المؤسسات التي تعمل من خلالها –مثل الأحزاب- على الأقل على المدى القصير. صحيح أن النخب المحلية تعتمد في الغالب في محاولاتها لتمثيل نفسها سياسيا –من خلال الانتخابات- على مؤسسات أوسع مثل الأحزاب والإخوان، لتحصل على كثير من المزايا، منها توفير مؤسسات أوسع وشرعية (رسمية وغير رسمية) وخدمات ريعية في بعض الأحيان، بالإضافة إلى إطار أوسع للخطاب السياسي وغيرها؛ ولكن في المقام الأخير تتمركز مصالح هذه الوحدات فى النطاق المحلى. ولذا عند الاختلاف بين المؤسسة –مثل الحزب- والنخبة المحلية –خاصة عندما يكون الاختلاف على تمثيلها في الانتخابات- تتصرف النخب بمعزل عن المؤسسة أو فى مواجهتها. والمثال الأوضح هو الحزب الوطني، وهو المؤسسة الأفضل بلا منافس للنخب المحلية. فالوضع المعتاد أن ممثلى هذه النخب فى الحزب إذا لم يرشحهم، يستقيلون ليرشحوا أنفسهم مستقلين في مواجهة مرشحيه (ليعودوا غالبا إلى الحزب بعد نجاحهم). ويشى الوضع الحالي، أى ترشيح الحزب لأكثر من مرشح فى حوالى نصف عدد الدوائر، باعتراف الحزب الوطنى رسميا بهذه الظاهرة.                    

ولكن، إذا كان الحزب الوطني يملك بسبب وضعه الخاص فائضا من النخب يؤدي إلى مثل هذا الصراع على الترشيح الحزبى الرسمى، ويمتلك -كمؤسسة- القدرة على استعادة النخب “المنشقة” بعد وقت قصير، فإن الأحزاب المعارضة لا تمتلك هذه المقومات، وبالتالي هي أكثر اعتمادا على نخبتها الضئيلة، لا تستطيع أن تجازف بخسارتها. ولذا –ومع تذكر أن هذه الأحزاب تعمل من داخل النموذج الذى وضعه النظام للوصول إلى القوة والشرعية- يعتبر عدم الدخول في انتخابات -مع وجود فرصة لنخبتها في المشاركة فى الانتخابات من خلال الحزب- انتحارا سياسيا، لأنه إما أن يدفع بهذه النخب للاستقالة والترشيح بشكل مستقل، وإما أن يضرها بحرمانها مسبقا من الاتصال بقواعدها المحلية.                    

إذن، وفي النهاية، يمكننا اعتبار أن مشاركة الإخوان والأحزاب التقليدية في الانتخابات أمر طبيعي ومتوقع. كما يمكننا اعتبار أن الانتخابات في مصر تمثل واقعيا بدرجة أو بأخرى وضع التنافس السياسي، وواقع القوى السياسية في مصر. فبينما يوجد في مصر –بعيدا عن الانتخابات- صراع حقيقي على السلطة، يتم هذا الصراع في إطار عام مستقر لا يملك أحد المشاركين فيه القدرة على فرض تغييرات جذرية في موازين القوى العامة. وينطبق نفس الأمر على الانتخابات في مصر حيث يوجد تنافس قوي –مع التجاوزات- في إطار مستقر، ففي النهاية لا يتوقع أحد أن يخسر الحزب الوطني أغلبية الثلثين.                    

يدعونا ذلك إلى الختام بالتساؤل حول إمكانية تجاوز حالة الاستقرار الاستراتيجي هذه للواقع السياسي المصري. ترتبط هذه الإمكانية بإمكانية تطوير نماذج بديلة لبناء السلطة وتحقيق المصالح في مصر. فطالما ظلت وحدة بناء السلطة هى النخب المحلية وممثلوها، يكون من البديهى أن تشارك المعارضة التقليدية فى الانتخابات. فالمعارضة التقليدية تعمل داخل هذا النموذج –ولو جزئيا- وإن كانت مهمشة فيه بالضرورة. وبالمقابل، لم يكن بمقدور المعارضة “غير التقليدية” – على غرار حملة دعم البرادعي- المشاركة فيها، لأنها تقف خارج هذا النموذج بالكامل. ولكنها فى نفس الوقت لا تمثل نموذجا بديلا للنموذج المهيمن لبناء السلطة وتحقيق المصالح – مع التحفظ نظرا لأن هذا النوع من المعارضة المصرية يحتاج إلى المزيد من التحليل. المعارضة التقليدية وغير التقليدية يعانيان كلاهما من التهميش في البنية السياسية العامة في مصر، ولكن من موقعين مختلفين. وبسبب اختلاف الموقع، تشارك المعارضة التقليدية برغم أنها تعرف أنها ستخسر فى لعبة غير عادلة.           

 

 

اترك تعليق