width text-align:right; text-align:right;

ديسمبر٢٠١٠

بؤس الخطاب اليميني القبطي!

عمرو اسماعيل   

أثارت تصريحات الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس والتي وصف فيها المسلمين بضيوف حلوا على الأقباط في مصر صدمة في أوساط عدة، وسارعت أصوات مسيحية وبالأخص قبطية عديدة إلى رفضها أو الاعتذار عنها باعتبارها هامشية لا تعبر عن الخطاب القبطي العام والذي لا يزال متمسكا بأهداب “الوحدة الوطنية”، وعلى الرغم من أن خطاب الأنبا بيشوي لطالما اعتبر أكثر حدة وعنفا من أقرانه في الكنيسة القبطية، إلا أن تصريحاته الأخيرة أتت كاشفة عن خطاب يميني قبطي آخذ في التشكل منذ تصاعد الاحتقان الطائفي في السبعينيات، وآخذ في التحرك من الهامش إلى المركز تدريجيا لتصبح مقدماته ومفرداته هي المهيمنة على رؤية الأقباط لأنفسهم ولمشاكلهم في مصر ومن ثم لسبل حلها واستراتيجيات التفاعل مع الدولة والمجتمع. وعلى الرغم من اكتساب هذا الخطاب اليميني لأرضية أكثر اتساعا في الكنيسة والمهجر، وهي الدوائر التي ما فتئت تصوغ الخطاب الهوياتي الاجتماعي والسياسي القبطي في العقود الثلاثة الماضية، إلا أن هذا الخطاب لم يحظ بأي قدر حقيقي من التحليل أو التفكيك، فبينما تلازم المؤسسات الرسمية كالدولة والأزهر والكنيسة ذاتها، ممثلة في البابا خاصة، على استدعاء شعارات الوحدة الوطنية التي باتت لا تسمن ولا تغني من جوع، تنشغل دوائر أقل رسمية من خلال الانترنت أو وسائل الإعلام المستقلة في التراشق الطائفي الذي يستحضر بدوره مجادلات كلامية ولاهوتية عفا عليها الزمن وعف عليها الذباب، كحديث الأنبا بيشوي عن صحة الآيات القرآنية، ومهاجمة زكريا بطرس لدعائم الإسلام، وما يقابل ذلك من الحديث عن تحريف الإنجيل وأن التثليث يخرج عن دائرة التوحيد وغيره، ومن ثم يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل نقدي لمقدمات ومسلمات ومفردات ما أراه خطابا قوميا ويمينيا قبطيا يشغل خيال نخبة وعامة الأقباط السياسي والاجتماعي، وتحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تشكل وصعد فيها هذا الخطاب منذ عقد السبعينيات.   

فرضت الإشكالية الطائفية نفسها على الأقباط في مصر منذ مطلع السبعينيات مع تصاعد أسلمة المجال العام وأجهزة الدولة، وتحالف نظام السادات مع الجماعات الإسلامية لاستئصال شافة اليسار، وهي التي سرعان ما اتخذت الأقباط هدفا لها، واستدعى ذلك صداما بين قيادة الكنيسة الجديدة في تلك الفترة ممثلة في البابا شنوده الثالث مع السادات وهو الصدام الذي بلغ ذروته في عزل البابا وتحديد إقامته بوادي النطرون، واختلفت ديناميات التوتر الطائفي في عهد مبارك فبينما اتجهت الكنيسة القبطية إلى المواءمة مع الدولة والتحالف مع النظام القائم ضد الجماعات الإسلامية المسلحة، استمر التوتر الطائفي الناتج عن توسع تيار أسلمة الدولة والمجال العام مع تداعيات استبعاد الأقباط باعتبارهم “غير منتمين” لهذا الفضاء المتأسلم، وفي خضم هذه التطورات، أخذ الأقباط يتحلقون حول الكنيسة والمؤسسات الأهلية والخدمية التابعة باعتبارها ملاذهم الاجتماعي والسياسي، وغدت الكنيسة المركز الأساسي لصياغة الهوية القبطية منذ ذلك الحين، وأسهم في ذلك ثلاثة عناصر:   

 أولها أنه في ظل غياب التعددية السياسية الفعلية في مصر، كان من المنطقي أن يلجأ الأقباط للمؤسسة الدينية التقليدية، والتي تكتسب شرعية وجودها من تاريخها الطويل والمقدس من ناحية، وتمتلك قدرا كبيرا من التغلغل في الحياة اليومية والممارسات الاجتماعية للمجتمع القبطي من ناحية أخرى، وقد نبهني صديقي الباحث جورج ثروت إلى أن سيطرة الكنيسة على المجال القبطي قد بدأت مع نظام يوليو 1952، والذي أثرت قراراته السياسية الخاصة بحل الأحزاب والاقتصادية المتعلقة بالتأميمات والإصلاح الزراعي على النخبتين السياسية والاقتصادية القبطية العلمانية، وهو ما مهد الطريق إلى انفراد الكنيسة القبطية بالساحة، إلا أن شخصية عبد الناصر ومشروعه السياسي، بالإضافة إلى شخصية كيرلس السادس وعزوفه عن التدخل في السياسة لم تترجم هذا التغير المؤسسي إلى سياسات واضحة، ولكن ما إن تغيرت الشخصيتان بوفاة عبد الناصر وكيرلس السادس في عامين متتالين حتى ظهر التغير المؤسسي بمجيء السادات والبابا شنوده الثالث.   

وثانيها أن النظام الحاكم في مصر قد سعى لتأكيد سلطة الكنيسة باعتبارها الممثل السياسي والوحيد للأقباط، وكان ذلك لمواجهة خطر الجماعات المسلحة في التسعينيات والتي ما انفكت تستهدف المواطنين الأقباط لإحراج الدولة ولإظهار عجزها عن حمايتهم، وكذلك رغبة من النظام الحاكم في لتهميش الأقباط العلمانيين في الداخل وأقباط المهجر في الخارج باعتبارهم “غير ممثلين” لمطالبات الأقباط الحقيقية،   

وثالث هذه العناصر هي تمدد قدرات وموارد الكنيسة منذ السبعينيات مع نمو مجتمعات المهجر القبطي، والتي اتخذت من الكنيسة المصرية مركزا لبناء هويتها الخاصة في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وما استتبع ذلك من تنامي موارد الكنيسة الاقتصادية عن طريق التبرعات والإعانات، وتنامي سلطانها وتغلغلها في المجتمع المسيحي خارج وداخل مصر على حد سواء.    

وخلاصة الأمر، أنه في خلال عقود التوتر الطائفي الأربعة الماضية، أصبحت الكنيسة هي المركز السياسي والاجتماعي الرئيسي لصياغة كل من الهوية القبطية والخطاب السياسي الخاص بالجماعة القبطية، ومن ثم رؤية الأقباط لأنفسهم ولمشاكلهم وسبل حلها، وفي هذا السياق أخذت مفردات ومقدمات الخطاب الطائفي، والتي أراها في أساسها مستعارة من الخطابات القومية واليمينية، تتسلل شيئا فشيئا إلى الخطاب الهوياتي القبطي حتى غدت اليوم تملك على كثير من عامة الأقباط ونخبهم خيالهم السياسي وتحتل مساحة كبيرة من خطابي الكنيسة والمهجر. فقد تمخض التوتر الطائفي وحالة الغربة المتزايدة التي يشعر بها المواطنون المسيحيون في مصر في مواجهة مجال عام يستبعدهم على أساس الدين، ودولة ضالعة في التمييز ضدهم سواء مباشرة عن طريق الإبقاء على خانة الديانة في البطاقة وعقود الإيجار والسكن، وإخضاع بناء الكنائس لقواعد مغايرة لتلك الموضوعة للمساجد، واستبعاد المسيحيين من المناصب العامة بحكم دينهم كما هو الحال في كثير من الأقسام بالجامعات الحكومية التي تمتنع عن تعيين المسيحيين، أو بشكل غير مباشر عن طريق امتناع الدولة عن ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين المسيحيين كعجز الدولة عن إعمال القانون لحماية أرواح وممتلكات الأقباط من حوادث الاعتداء الجماعي التي تستهدفهم لانتمائهم الديني، أو عجزها عن كفالة حقهم الدستوري في الطلاق والزواج مرة أخرى-تمخضت هذه العناصر مجتمعة عن بناء هوية قبطية تجمع بين البعدين الطائفي باعتبار الأقباط أقلية دينية والقومي كذلك باعتبارهم سكان مصر الأصليين، وبإثارة مسألة السكان الأًصليين لمصر يستعير الخطاب الهوياتي القبطي من الخطاب القومي مقولة شعب من لحم ودم مستقر على أرض منذ قديم الأزل، ويؤصل لهوية جماعية قبطية من خلال إعادة بناء أو إعادة رواية تاريخ الجماعة كسلسلة طويلة ومتصلة من الاضطهادات الدينية، وبالتالي يسقط هذا الخطاب العزلة والغربة التي يعانيها الأقباط اليوم على ماضيهم باعتبار الاضطهاد جوهر تاريخهم الثابت في مصر، والذي من خلاله تشكلت هوية هذه الجماعة منذ دخول المسيحية لوادي النيل في القرن الأول الميلادي.   

إن هذا المقال يهدف إلى استحضار الأطر النظرية لتحليل الأيديولوجيات القومية وذلك من أجل تفكيك الخطاب الطائفي القبطي، وعلى الرغم من أن الخطاب اليميني القبطي وخلافا للخطابات القومية عامة لا يؤسس لأحلامه ورؤيته السياسية على أساس دولة مستقلة أو ما شابه من ترتيبات سياسية، فإنه يستعير الكثير من مقدمات ومفردات الخطابات القومية في تأسيس وعي الجماعة القبطية السياسي والاجتماعي، ولعل هذه الإستراتيجية هي أساس أزمة هذا الخطاب اليميني الطائفي فهو إذ ينطلق من مقدمات الخطاب القومي فإنه لا يصل للنتائج، وينشأ عن هذا التناقض تكريس لوعي طائفي انعزالي شبيه بما نعته شمعي أسعد في كتابه الأخير”حارة النصارى”، وسوف أعرض تحليلا مختصرا لما أراه خطابا طائفيا/قوميا قبطيا في السطور التالية:   

1-لاتاريخية الجماعة القبطية: الإحالة العنصرية لمقولة السكان الأصليين   

 تنطلق الخطابات القومية في عملية تأسيس وعي الجماعة القومية بذاتها من تقديم قراءة لماضي هذه الجماعة بحيث يبرز قدم ميراثها الثقافي (الديني واللغوي من ناحية) وأزلية ارتباطها بقطعة أرض من ناحية أخرى، فالقراءات القومية للتاريخ عادة ما تكون مسبقة وغائية بحيث تسخر القراءة القومية للماضي لشرعنة حاضر ومستقبل الجماعة من خلال إضافة عنصر “أزلي” على ما يميز الجماعة عن غيرها، ومما لا شك فيه أن وصف الأقباط المتكرر بأنهم سكان مصر الأصليين يحيل “شعب الكنيسة” (وهو في ذلك كيان ديني موروث من تصورات القرون الوسطى باعتبار أن المؤمنين هم جسد المسيح من خلال الكنيسة) إلى كون الأقباط كيانا عضويا وطبيعيا Natural من لحم ودم يسكن منذ الأزل على تراب مصر، ويتضح على الفور أن مثل هذا الخطاب لا يستخدم التاريخ إلا ليهدره فهو لا يرى الجماعة الدينية أو القومية ذاتها نتاجا لتفاعلات تاريخية تشكلت وتكونت من خلالها في لحظة ما من الماضي، بل يرجع الجماعة القومية أو الطائفة في الحالة القبطية لعناصر غاية في المادية وهي اللحم والدم (الشعب) والأرض (التراب)، ويغدو التاريخ مجرد مسرح زمني لتجلى جوهر هذه الجماعة المادي، وتشترك الخطابات القومية جميعها في البناء اللا-تاريخي Ahistoric للمجموعات القومية من خلال البناء المادي أو الفيزيقي للجماعة، وافتراض تواصلها الثقافي مع الماضي دون انقطاع، ولعل في هذه الإستراتيجية ما يفسر استحضار نظام صدام حسين لمعركة القادسية التي دارت بين العرب المسلمين والفرس في القرن السابع الميلادي كسابقة قابلة للتكرار في الحرب العراقية-الإيرانية، وكذلك استحضار الصرب لموقعة كوسوفا والتي وقعت مع العثمانيين في القرن الرابع عشر الميلادي باعتبارها لحظة القضاء على استقلال دولة الصرب، وكأنه كان للصرب دولة ذات حدود وسيادة بالمعنى الحديث في نهاية القرون الوسطى، وكأن عرب القادسية في زمن عمر بن الخطاب كانوا واعين بمفردات الخطاب القومي العربي ابن القرنين التاسع عشر والعشرين.   

الحديث عن الاقباط كسكان اصليين يحولهم من طائفة دينية الى مشروع عرق

إذن،إن إنشاء الجماعة القومية ككيان تاريخي هو فعل لاتاريخي بامتياز حيث تقتضي “الأصالة” نزع الزمنية أو التاريخية عن المجموعة من ثم صبغها بصبغة مفارقة ومتعالية على التاريخ، ويتبدي ذلك جليا في الحديث عن الأقباط باعتبارهم “السكان الأصليين” لمصر أو “أحفاد الفراعنة” المرتبطين بالأرض في مقابل الغزاة الوافدين من العرب/المسلمين، ومن هذا المنطلق يتم إحالة الجماعة لعنصريين ماديين ملموسين هما الدم (العنصر) والتراب (الأرض) يتحديان ويستعصيان على الزمان فلا ينظر للأقباط كجماعة دينية تشكل وعيها بنفسها تاريخيا من خلال نظام الملل في العصر العثماني، والذي كان يرتكز على خلق سلطة وسيطة ممثلة في البطريرك ليدير شئون طائفته ويمثلها في مواجهة السلطان القابع في الآستانة، وما تلاه في فترة الاحتلال البريطاني لمصر  ثم انطلاق الحركة الوطنية وأثر هذين العاملين في خلق أو تكريس أو إذابة وعي الأقباط بأنفسهم كجماعة دينية، فالجماعة الدينية أو العرقية في الخطاب القومي لا تخضع لديناميات التحول التاريخي بل ينظر لها من خلال الخطاب القومي باعتبارها امتدادا ماديا من لحم ودم وتراب مع الماضي المصري القديم الأزلي والخالص وغير المشوب بالأجنبي (العربي الإسلامي في هذه الحالة). ولعل زيارة سريعة لمشروع عزت أندراوس على الإنترنت والذي يحاول فيه كتابة تاريخ مصر من منظور (قومي) قبطي يظهر لا-تاريخية التناول فهو يتحدث عن الأقباط في ظل “الاحتلالات” المتتالية من البيزنطي للعربي ثم الأموي والعباسي والفاطمي والأيوبي والمملوكي فالعثماني والبريطاني، ناسيا أن مفهوم الاحتلال ذاته تاريخي ذا صلة لصيقة بظهور الدول القومية الحديثة محددة الحدود وذات السيادة، وهي نواتج للتاريخ ذاته.   

ومما لا يدعو للشك أن استدعاء نبرة “السكان الأصليين لمصر” في التوقيت الحالي مع تصاعد الاحتقان الطائفي، وتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، يحيي خطابات طائفية-عنصرية نشأت في أوساط المسيحيين الشرقيين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وخاصة بين الموارنة في لبنان، والذي تأثروا بالتجارب الفاشية في إيطاليا وأسبانيا وسعوا لمحاكاتها، فنذكر على سبيل المثال لا الحصر حزب الكتائب الذي تأسس في 1936 في ذات السنة التي حقق فيها الجنرال فرانكو انتصاره في الحرب الأهلية الأسبانية، وكيف اتصل ميلاد الكتائب بجمعيات ثقافية/سياسية كجمعية الشبان الفينيقيين التي أسسها ألبرت نقاش، والتي كانت تنادي بإنشاء “لبنان صغير” في العشرينيات يقتصر على المسيحيين باعتبارهم سكان البلد الأصليين، وقد لخص نقاش طرحه في استعارة مكنية بليغة تقول بأن رمال الصحراء تلوث صفاء البحر، في إشارة للمسلمين باعتبارهم عربا وافدين بالأمس من الصحراء العربية، وباعتبار أن الموارنة، وهم الفينيقيون، سكان ساحل لبنان الأصليين.   

وعلى الرغم من أن الخطاب القبطي يظل أكثر تحفظا من أقرانه في التعبير عن فاشيته إلا أن الإيحاءات العنصرية لا تقتصر على أصوات هامشية تتصاعد هنا وهناك بل تحتل جزءا أساسيا من الخيال الاجتماعي والسياسي للنخبة القبطية، خذ على سبيل المثال الجدل الأخير الذي دار حول عدد الأقباط ونسبتهم الحقيقية في مصر (هل هي 6 أم 10 أم 12 في المائة؟)، وحديث الكنيسة عن وعيها بعدد “شعبها” الحقيقي من خلال ما يسمى بكشوف الافتقاد، ويكشف هذا الجدل عن “قومية” الخطاب الطائفي القبطي من زاويتين: أولهما أنه يستدعي الصورة العضوية والمادية للشعب القبطي والممثلة في عدده المطلق والنسبي، ويؤكد على الشعور بكون الأقباط “أقلية”، والثاني في أنه يرى أن ذكر العدد “الحقيقي” للأقباط يؤثر إيجابا على فرصهم في نيل حقوقهم، وكأن الحقوق المدنية والسياسية لا تنعقد إلا ببلوغ عدد معين لمجموعة أو أقلية ما، وهو بهذا يردد بغباء منقطع النظير مفردات خطاب الإسلام السياسي الفاشية الذي يرى الكثرة مصدرا للقوة من باب “تناكحوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم”، ويرى أن التجانس والتنميط الديني أساس مشروعه والذي لا يعكر صفوه سوى وجود أقليات دينية ولغوية تشوب وحدة وتناغم الأمة الإسلامية. ويتجلى هذا “الهم العددي” كذلك في كتابات بعض نشطاء الأقباط الذين يحسبون أنفسهم على العلمانية كمجدي خليل، والذي يعرض في كتابه الركيك عن أقباط المهجر للنسب التي يحظى بها الأقباط في جهاز الدولة كوزراء، ومحافظين ورؤساء للجامعات وغيرها من المناصب، وكأنه من الواجب أن تنعقد نسبة أو حصة للأقباط بناء على نسبتهم في التعداد عامة، وليس عندي شك في أن روح التعصب والإقصاء التي غلبت على المجتمع المصري تميل إلى استبعاد الأقباط على أساس الدين، ولكن لا يخطر ببالي أن يكون علاج طائفية الاستبعاد بطائفية أخرى تقضي بالمحاصصة، بقدر ما يكون العلاج بمكافحة التمييز على أساس الدين أو العرق أو النوع من خلال التأكيد على الحقوق الفردية والإنسانية الأساسية غير القابلة للتصرف.   

2-القراءة التحكمية والإنتقائية للتاريخ:    

ذكرنا من قبل أن هم الخطاب القومي الأول هو إيجاد تواصل مع الماضي يسقط من خلاله الجماعة القومية (حديثة التكوين) على تاريخ طويل يبرز جوهرها الحقيقي سواء أكان ثقافيا أو دينيا أو عرقيا وارتباطها بأرض ما. وبما أن الماضي بأحداثه وتفاعلاته غالبا ما يكون أكثر تعقيدا من أن يختزل في فكرة واحدة أو في جوهر واحد، يعمد القوميون إلى إلقاء الضوء على فترات منتقاة من الماضي باعتبارها أكثر فيصلية أو أهمية عن غيرها في تكوين الجماعة القومية، وهي الفترات التي يرجع لها باعتبارها “العصر الذهبي” الذي تجلى فيه جوهر ثقافة ما أو جماعة ما مقارنة بغيره، ولعل الخطاب القومي العربي يقدم لنا نموذجا لمثل هذه الإستراتيجية بتركيزه على القرون الأولى من التاريخ الإسلامي باعتبارها القرون التي غلب فيها العرب على من سواهم فاعتبرت عصور مجد وتوسع من ناحية، وإنتاج فكري وحضاري من ناحية أخرى، بينما يقلل من أهمية عصور المماليك والعثمانيين باعتبارها عصور انحطاط ضاع فيها جوهر الحضارة العربية لغلبة عناصر الترك والجركس، وكذا الحال مع الخطاب الإسلامي،والذي يحوي العديد من مقدمات الخطاب القومي، في تركيزه المتفرد على دولة المدينة التي دامت لأقل من أربعة عقود في صدر الإسلام باعتبارها تمثل جوهر الإسلام الحق وما تلاها من عصور لا يرقى لتحقيق ذاك الجوهر.   

العلم القبطى ... تبنته منظمة اقباط نيوزيلاندا ومنظمة الاقباط الاحرار

وتنطبق تلك الملحوظة على الخطاب الطائفي/القومي القبطي، والذي يؤصل لتاريخ الأقباط “الحقيقي” في مصر في القرون التي سبقت دخول الإسلام فيما جرى العرف على تسميته “مصر القبطية” أو “التاريخ القبطي”، وتعتبر لحظة الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع خاتمة لهذا التاريخ، وبداية لغلبة العناصر الأجنبية على جوهر الجماعة القبطية الحقيقي من خلال الأسلمة والتعريب، والذين أديا إلى فقدان مصر لجوهرها الحقيقي المتمثل في اللغة القبطية والديانة المسيحية، ومن ثم تقدم تلك القراءة المنتقاة للتاريخ رواية تخدم ذات تصور “السكان الأصليين” أو “أحفاد الفراعنة”، وتتبدى تحكمية وتعسفية هذه القراءة في فقدانها للكثير من المنطق في افتراضها للتواصل والانقطاع التاريخيين، فبادئ ذي بدء يتناسى الخطاب القومي القبطي أن اللغة القبطية ذاتها يونانية الحروف، والمسيحية كالإسلام تماما عقيدة آسيوية ذات جذور يهودية حاضرة شبيهة في غربتها عن مصر بالإسلام. وكذا الحال مع اعتبار أن الفتح الإسلامي يمثل نهاية “التاريخ القبطي” في مصر وكأن الأقباط ماتوا جميعا أو هاجروا بعده، وإن كان الهدف النهائي لهذا الخطاب هو إسقاط غربة الأقباط الحاضرة نتيجة للظرف السياسي والاجتماعي القائم، على تاريخهم بحيث ينظر للإسلام واللغة العربية باعتبارهما غريبين عن جوهر متخيل للجماعة القبطية، ويتناسى أصحاب هذا الموقف كذلك أن إغفال أو إسقاط الحقبة التي تلت الفتح الإسلامي لمصر يؤسس لاغتراب الأقباط عن كثير إن لم يكن معظم ميراثهم التاريخي الآتي من القرون الوسطى من فن وفكر وممارسة، وحسب القارئ أن يقصد الكنيسة المعلقة أو كنيسة أبي سرجة بمصر القديمة ليشاهد الأرابيسك القبطي الذي لا يزال يميز الكنائس المصرية عن غيرها، بل وتصدر ذات المقاعد للكنائس القبطية في الخارج لتدلل على “قبطيتها” في المهجر، وكذا التراث “الفقهي” الكنسي الآتي من العصرين الأيوبي والمملوكي كالمجمع الصفوي للعلامة مؤتمن الدولة إسحاق ابن العسال، والذي لا يزال يمثل المرجع الأساسي للقوانين الكنسية في مصر بما فيها الأحوال الشخصية، وكتب التاريخ لساويرس ابن المقفع و جرجس ابن العميد والكلام (اللاهوت) لابن شاكر الراهب وغيرهم الكثيرين، وهي كتب صيغت بالعربية ردا على كتابات أخرى بالعربية، وتأثرت كما أثرت في تطور الفكر الديني الإسلامي كمحيط أوسع.   

واتصالا بذات الإستراتيجية في خلق التواصل والانقطاع مع الماضي بشكل تحكمي، يؤسس الخطاب القومي القبطي لوجود اتصال مع التراث الفرعوني أو المصري القديم، وهو بذلك يؤكد على اعتبار أن الأقباط هم سكان البلاد الأصليون من جهة، ويستكمل تغريب واستبعاد العنصرين العربي والإسلامي عن تاريخ مصر “الحقيقي” –وكأن لمصر تاريخ حقيقي وآخر زائف- باعتبار أن التعريب والتحول للإسلام هما ما أحدثا قطيعة المصري المعاصر عن ماضيه التليد، ويبدو جليا كم هو تعسفي وانتقائي هذا الطرح إذ أنه يتجاهل ما يرجحه الكثير من المؤرخين المعاصرين من أن التحول للمسيحية هو ما أحدث القطيعة مع التراث المصري القديم باعتباره وثنيا، وأنه بحلول زمان الفتح العربي كانت الكتابة الهيروغليفية قد انقرضت، ومعالم الثقافة الهيلينستية (وهي في الأصل مزيج بين الثقافتين المصرية واليونانية) قد انطمست، ويضاف إلى ذلك أن الفتح العربي لم يحدث انقطاعا كاملا أو فوريا مع مصر السابقة على الإسلام، فاللغة القبطية ظلت منتشرة حتى القرن الخامس عشر، لم يشكل المسلمون أغلبية السكان حتى القرن الرابع عشر، ناهيك عن أن الأقباط لا يزالون موجودين كجماعة دينية وكنيسة عتيقة وأكبر مجتمع للمسيحيين الشرقيين.   

بعد نقد وتحليل مقدمات ومفردات ما أراه خطابا قوميا قبطيا، يطرح التساؤل حول التطور التاريخي لذاك الخطاب، وكيف نبتت فيه هذه العناصر ثم قيض لها أن تأخذ موضع الهيمنة في العقود القليلة الماضية. بدأ تشكل وعي الأقباط بأنفسهم كجماعة ذات تمايز ثقافي وديني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع تصاعد حركة الإرساليات الغربية التي استهدفت تحويل المسيحيين المحليين إلى الكاثوليكية والبروتستنتية، وكذلك مع زوال نظام الملل العثماني وبداية ظهور الدولة الحديثة في مصر، ولعل أهم هذه المحطات هي الهجرة الواسعة للأقباط كغيرهم من السكان في مصر إلى المدن، وإسقاط سعيد باشا للجزية وإدراج الأقباط في إطار الجندية  (لدراسة تاريخية أكثر تفصيلا أنظر رفيق صمويل حبيب في كتابه الاحتجاج الديني والصراع الطبقي في مصر، القاهرة: دار سينا للنشر، 1990)، وفي هذه الظروف بدأ تشكل نخبة قبطية مدنية أو علمانية (بمعنى عدم انتمائها للسلك الكهنوتي للكنيسة)، وسرعان ما تنازع هذه النخبة عدد من التيارات الفكرية، والتي قدمت قراءات للتاريخ القبطي ومن ثم أطروحات لموضع الأقباط في الجماعة الوطنية المصرية الآخذة في التشكل حينذاك، حيث أن المصريين أنفسهم كفئة لم يتشكل وعيهم بالكامل كمصريين قبل ثورة 1919.   

وفي اعتقادي أنه ليس بالإمكان فهم كيفية تشكل مقدمات ومفردات الخطاب الهوياتي القبطي في القرن العشرين إلا في سياق تشكل القومية المصرية الأوسع في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فتصورات الشعب والأرض التي قادت إلى اعتبار الأقباط لأنفسهم سكان مصر الأصليين ما هي إلا تحوير للأطروحات الرومانسية المبكرة للقومية المصرية والتي نجدها في كتابات توفيق الحكيم على سبيل المثال في رواية عودة الروح المنشورة في 1927، والتي نجد فيها رسما دقيقا للخيال الوطني والقومي المصري عامة بناء على صورة الفلاح الضارب بجذوره في تراب هذا البلد الزراعي منذ قديم الأزل، وكيف أن بطل الرواية الطالب بالثانوي “محسن” اكتشف جوهر هذا البلد الحقيقي في زيارته للريف، وكيف أن هوية المصريين كفلاحين لا يمكن تصورها بعيدا عن الأجنبي الوافد في تاريخها والذي يشمل كل من العربي والتركي باعتبارهما من البدو عديمي الحضارة في مواجهة الفلاح سليل ووريث الحضارة الفرعونية الراسخة، وفي هذا السياق كان من البديهي والمقبول بشكل عام أن يستعير الأقباط هذه الصياغات القومية لأنفسهم وأن ينظروا لذاتهم كامتداد خاص للفراعنة وإن لم يستبعدوا المصريين المسلمين من النسب نفسه، وهو ما يبدو واضحا من كتابات الرعيل الأول من النخبة القبطية الحديثة ككتاب “تاريخ الأمة القبطية” ليعقوب نخلة روفيل والمنشور في عام 1898، والذي يستهل كتابه الشهير بفصل عن “أصل الأقباط” فيرده على الفور للمصريين القدماء. والقصد أن هذه الأطروحات حول أصل الأقباط تماشت مع المد القومي المصري عامة، ولم تسخر طائفيا في مواجهة الأغلبية المسلمة في ذلك الحين، وتكرر الأمر ذاته مع مشروع مرقص سميكة باشا الخاص بإنشاء المتحف القبطي في نفس الفترة.   

مشروع الحركة الوطنية المصرية بداية القرن العشرين ... همش تيارات قبطية متطرفة

وفي زخم الحركة الوطنية في مصر اندمج مشروع النخبة القبطية الحديثة بصياغة هوية قبطية مع المشروع الوطني الأشمل والرامي لنيل الاستقلال وإقامة حياة دستورية، وأدى ذلك إلى تهميش تيارات قبطية أكثر طائفية (وربما قومية) ترجع إلى بداية القرن العشرين، والتي تجلت في عقد المؤتمر القبطي الأول في 1907، ومحاولة أخنوخ فانوس تأسيس الحزب المصري في 1908. ومع تصاعد أزمة النظام الليبرالي في أربعينيات القرن الماضي، وظهور بدائل قومية وفاشية وإسلامية للوفد بقوة على الساحة كمصر الفتاة والحزب الوطني والإخوان المسلمين، استعاد التيار الطائفي/القومي البادرة في الأوساط القبطية من خلال تأسيس جماعة الأمة القبطية بقيادة إبراهيم هلال، والتي سعت للتأكيد على الهوية القبطية المسيحية وإحياء اللغة القبطية، وتعرضت هذه الجماعة للحل من قبل الدولة في عام 1953 في أعقاب ضلوعهم في اختطاف البطريرك يوساب الثاني. ويبدو من المعقول ربط هذه الإرهاصات القومية/الطائفية القبطية الراجعة لبداية القرن العشرين ومحاولة إحيائها في الأربعينيات بانطلاق الحركات القومية في نهاية عصر الدولة العثمانية، ومحاولة الكثير من النخب المثقفة للملل المسيحية التحول لقوميات بالمعنى الأوروبي الحديث ومن ثم ترتيب الاستقلال والسيادة في إطار دول قومية على تمايزهم الديني والعرقي واللغوي، وكان تلك هي الحال مع الموارنة في لبنان والآشوريين في شمال العراق والأرمن في تركيا الحالية، بالإضافة بالطبع للحالة الأكثر نجاحا والممثلة في الحركة الصهيونية في فلسطين البريطانية، ولم يكن ذلك بغريب على الإطلاق فطموحات هذه “الملل” السابقة أتت في سياق طموحات قومية للعرب والأكراد والأتراك والذين سعت نخبهم المثقفة لبناء دول قومية لكل عرقية منهم على أنقاض الدولة العثمانية في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى.   

وخلاصة الأمر إن تآكل الدولة المدنية في مصر، وما نتج عنه من توغل و تغول مظاهر الطائفية والتمييز الديني في مناح عدة من الحياة الاجتماعية في مصر منذ السبعينيات وحتى اليوم، قد هيأ المناخ لصياغة خطاب هوياتي قبطي يتحلق حول الكنيسة ودوائر معينة من المهجر، ويستعير هذا الخطاب مفرداته ومقدماته من سوابق قومية وعنصرية في الخطاب القبطي نفسه وفي خطابات المسيحيين الشرقيين راجعة إلى الجزء الأول من القرن العشرين بهدف التأصيل لهوية طائفية لاتاريخية يقوم جوهرها على الاضطهاد المتواصل منذ دخول المسيحية في مصر، وبهذا ينخرط الأقباط في كفاح ضد التمييز الذي باتوا يعانون منه من خلال حياكة هوية انكفائية وانعزالية تتغذى على استحضار الاضطهاد والقمع التاريخيين، وإعادة إنتاجهما في لحظة متوقفة من الزمان. ويتزامن تشكيل هذا الخطاب وإنتاجه وإعادة إنتاجه من خلال الممارسات اليومية في حياة المسيحي المصري مع لا-سياسية الخطاب الكنسي، والذي اختار منذ عقدين أو أكثر التحالف مع نظام مستبد عاجز عن توفير حقوق المواطنة للمسيحيين، ولا لغيرهم، وما استتبع ذلك من إحياء فعلي لنظام الملل العثمانية حيث يصبح البطريرك والكنيسة، مؤسسة وسيطة بين الدولة وبين المواطنين المسيحيين، كلما زاد تهميش وإقصاء الأقباط من المجال العام في مصر، كلما زاد سلطان الكنيسة عليهم وزاد لجوؤهم إليها.  إن الخطاب اليميني القبطي هو خطاب بائس بكل المعايير، فهي ينطلق من مقدمات الخطابات القومية ويعجز عن الوصول لنتائجها، فهو يتحدث عن سكان أصليين وآخرين ضيوف على أرض مصر، ولكنه يدرك جيدا استحالة ترجمة ذلك إلى مطالبة بكيان سياسي يخص الأقباط، وينزلق في ممارسته إلى تأكيد طائفية يعاني منها الأقباط قبل غيرهم، ويعيد إنتاج فاشية التيارات الإسلامية بفاشية قبطية تضفي الشرعية على الأولى وتبرر وجودها. ولعل تأكيد الأنبا بيشوي وغيره من “المتعصبين” على استعداد الأقباط “للاستشهاد” يعبر عن انتحارية هذا الخطاب القومي اليميني، واصطدامه بحائط صلد، ومن ثم عجزه عن تقديم آية رؤية ذات مضمون للإشكاليات التي يعانيها المواطنون الأقباط في مصر اليوم، والتي تمس بالأساس ضعف الدولة المزري في مصر إلى حد عجز مؤسساتها عن صياغة تطبيق قوانين تضمن مساواة جميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق، ونظام مستبد تقتضي تكتيكات إبقائه على قيد الحياة وفي سدة الحكم مزيد من التحلل في مؤسسات الدولة المدنية لصالح صيغ طائفية تحيي ما مات من نظام الملل والحماية الأجنبية. 

 

2 comments to بؤس الخطاب اليميني القبطي!

  • نصري جرجس

    أسلمة مصر أنتجت خطابا قبطيا يمينيا

    رغم أن الكاتب يبدو أنه من المدافعين عن الدولة المدنية والمواطنة وادانته للتمييز الحادث ضد المصريين المسيحيين الا أن هذا المقال مثال حى لعدم ادراك المصرى المسلم لأسلوب وتفكير ووجهة نظر المصرى المسيحى أيضا المؤمن بالدولة المدنية والمواطنة والذى يقف أيضا ضد تدخل الكنيسة فى السياسة ولا يرضى عن ممارسات كثيرة لها تجعلها فى أغلب الأحيان تابعة للدولة وسياساتها.

    بادئ ذى بدء الغالبية من المسيحيين لا يوافقون الأنبا بيشوى على مقولته الخاصة بأن المسلمين ضيوف حلوا على الأقباط فى مصر ولكن أيضا لا يوافقون على مضمون أغلب الردود التى هاجمت هذا الوصف وتكمن المشكلة أساسا فى رؤيتنا المختلفة للتاريخ وقرائته وتحليله وبالتالى الخروج باستنتاجات متباينة

    الغالبية من الكتاب المسلمين مهما كان موقفهم السياسى تقدميا ومهما كانوا يدينون التهميش والتمييز الحادث ضد المسيحيين وينادوا بالمواطنة عن حق واقتناع وليس تمثيلا ويقفون ضد الدولة الدينية ويمكننا أن نعتبرهم علمانيين تماما الا أنهم يشككون فى أن مسيحيى مصر الحاليين هم سكان مصر المتسلسلين من ما يطلق عليهم المصريين القدماء وأن اللغة القبطية هى التسلسل الطبيعى للغة المصرية القديمة

    وهنا أضع بعض النقاط التى أؤمن بها ويؤمن بها غالبية المسيحيين:

    1. اللغة القبطية هى اللغة الديموطيقية التى كان يتكلم بها الشعب المصرى منذ بداية التاريخ المعروف وليست هى اللغة اليونانية

    2. لم تخلوا مصر من السكان عند تحولها الى المسيحية أو استبدل سكانها بأقوام آخرين ففى القرن السابع الميلادى كان يقطن مصر أحفاد من يطلق عليهم المصريون القدماء

    3. المصريون الحاليون مسلمون ومسيحيون هم أحفاد مصريى القرن السابع فمنهم ولأسباب مختلفة من تحول من المسيحية الى الاسلام ومنهم ولكن بنسبة قليلة أحفاد من أتوا من الجزيرة العربية واستقروا بها بالاضافة الى من أتوا من بلاد مختلفة واستقروا

    اذا أين الاختلاف … أراه فى الآتى:

    1. ليس معنى أن اللغة القبطية كتبت بحروف يونانية أنها أصبحت لغة يونانية فاليوم اللغة التركية تكتب بحروف لاتينية ومع ذلك ما زالت هى اللغة التركية

    2. ليس من المعقول أن مصر خلت من السكان عند تحولها الى المسيحية أو استبدل سكانها بأقوام آخرين ولكن ما حدث هو تحول السكان وتدريجيا خلال أربعة قرون تقريبا ليصبحوا مسيحيين و لا أحد يدعى نقاوة العنصر المصرى تماما حيث حدث اختلاط مع أجناس أخرى وفدت الى مصر على مدار تاريخها بدءا من الهكسوس وحتى الآن

    3. لم تحدث قطيعة مع مصر الفرعونية بتحول المصريين الى المسيحية فلم يغيروا لغتهم ولا نمط حياتهم ولا انتاجهم المادى والتى كانت الزراعة ومنتجاتها عنصره الأساسى ولا فنونهم وما زالت الحان الكنيسة القبطية هى الحان فرعونية

    4. غالبية وأكرر غالبية من المسلمين يفضلون أن يكونوا عربا أكثر منهم مصريين وليس فقط المتطرفون منهم ولكن أيضا كل ما يصنفوا بأنهم جماعات الاسلام السياسى سواء كان هذا التصنيف سياسيا أو دينيا لا يؤمنون أساسا بالوطن حيث أنهم يؤمنون بالاسلام وطن.

    5. هذا يدفعنى الى السؤال:لماذا لم نحسم حتى الآن موضوع الهوية المصرية؟؟؟

    ولدى اجابة شخصية وهى لأننا لا ندرس ونتناول تاريخنا الحقيقى وكل ما ندرسه ونعرفه ونتداوله عنه منذ القرن السابع هو تاريخ ان لم يكن مزور فهو ناقص حيث الاهتمام بتاريخ الحكام مع اغفال تاريخ الشعب

    ما يؤيد وجهة نظرى العبارة الآتية الواردة بالمقالة أتت كاشفة عن خطاب يميني قبطي آخذ في التشكل منذ تصاعد الاحتقان الطائفي في السبعينيات،

    أى أن الخطاب المسيحى اليمينى بدء بالتشكل ردا على الاحتقان الطائفى وهنا كان من الواجب على كاتب المقال أن يستعرض الاحتقان الطائفى ويحلله كيف بدء ومن المسؤل عن حدوثه وما هى مفرداته وأدبياته ومرتكزاته الفكرية التى ارتكز عليها

    لو فعل ذلك لتوصل الى نتيجة أن أسلمة مصر التى بدأها الرئيس السادات وهو رئيس الجمهورية فى نظام سياسى بيده كل السلطات ومقولته الشهيرة عن أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة ومع ايمان هذا التيار بالاسلام وطن وصلنا الى مقولة طظ فى مصر ولا مشكلة اذا حكم ماليزى مصر طالما أنه مسلم

    لذا كان من الأوقع أن يكون العنوان “أسلمة مصر أنتجت خطابا قبطيا يمينيا”

    حتى يمكننا أن نقول الحقيقة سأورد ما أراه فى نقاط هامة وردت بالمقالة:

    1. يجب علينا النظر الى مهاجمة زكريا بطرس للاسلام – والتى يختلف كثير من المسيحيين معه حولها – والتى ظهرت منذ بضع سنين على أنها رد فعل للهجوم على المسيحية وكتابها المقدس وعقائدها منذ أكثر من ثلاثة عقود ومن خلال أجهزة اعلام الدولة المقروءة والمسموعة والمرئية التى يشترك المسيحيون فى تمويلها من خلال دفعهم للضرائب

    2. قد لا أختلف كثيرا مع تحليل الكاتب حول تأثير أسلمة المجتمع وتهميش الدولة للمسيحيين والتغيير الذى حدث بانتقال سلطة الدولة الى السادات وسلطة الكنيسة الى البابا شنودة ولكنى أختلف معه فى ما بعد استنتاجه تمخضت هذه العناصر مجتمعة عن بناء هوية قبطية تجمع بين البعدين الطائفي باعتبار الأقباط أقلية دينية والقومي كذلك باعتبارهم سكان مصر الأصليين،

    حيث يقول

    وبالتالي يسقط هذا الخطاب العزلة والغربة التي يعانيها الأقباط اليوم على ماضيهم باعتبار الاضطهاد جوهر تاريخهم الثابت في مصر، والذي من خلاله تشكلت هوية هذه الجماعة منذ دخول المسيحية لوادي النيل في القرن الأول الميلادى

    أختلف مع هذا الاستنتاج ولن أعود الى الماضى البعيد ولكن فقط الى أيامنا هذه أبدأها بعتاب:عندما بدأ اعلام الدولة التعرض للمسيحية كعقيدة منذ أكثر من 30 سنة لم نسمع أو نقرأ عن أى اعتراض ولم يقل أحد من مثقفينا على اختلاف انتماءاتهم عيب ما يصحش ولكن بدء الكلام بعدما فاض الكيل بالمسيحيين وبدأ بعضهم فى الرد

    3 . عندما يورد الكتاب المسيحيون أعداد المسيحيين المتدنية فى وظائف مختلفة لا يوردونها طلبا للمحاصصة ولكن الأرقام تتكلم وتعطى صورة واضحة للوضع لا لبس فيها ودائما غالبية الكتاب المسيحيين لا طلب لهم الا أن تكون الوظائف عموما مرتبطة بالكفاءة والتأهيل المناسب ولماذا نغفل موقف الجهات والهيئات السيادية التى تمنع التحاق أى مسيحى بها! وماذا نستنتج اذا كانت كلها مرتبطة بشكل أو آخر بالأمن القومى؟ موقف ليس له الا تفسير واحد وهو أن هذه الأجهزة والهيئات تشك فى ولاء المسيحى ووطنيته أى أنها ترى أن صراعاتها مع الآخر – التى هى محور عملها – أيا كان مستوى الصراع ومع من فهو فى حقيقته صراع دينى. هل يفسر هذا تبريرات فرض الجزية بمقولة أنهم لا ينضمون الى الجيوش فى حين أن عدم انضمامهم لم يكن راجع اليهم ولكن الى حرمانهم من قبل الدولة الأمر الذى يؤكد منذ القدم أن النظرة هى نظرة دينية وليست وطنية

    4 . بالنسبة لصدام البابا مع السادات يمكننا النظر اليه فى حينه فى ضوء صراع السادات مع كل الأطياف فى المجتمع المصرى ولكن لماذا لم يلفت نظرنا أن الرئيس مبارك أفرج عن المتحفظ عليهم بعد فترة قصيرة من توليه الحكم ولكنه ترك البابا شنودة فى اقامته الجبرية بالدير ما يزيد على الثلاث سنوات!

    5 . أورد الكاتب:

    استمر التوتر الطائفي الناتج عن توسع تيار أسلمة الدولة والمجال العام مع تداعيات استبعاد الأقباط باعتبارهم “غير منتمين” لهذا الفضاء المتأسلم، وفي خضم هذه التطورات، أخذ الأقباط يتحلقون حول الكنيسة والمؤسسات الأهلية والخدمية التابعة باعتبارها ملاذهم الاجتماعي والسياسي، وغدت الكنيسة المركز الأساسي لصياغة الهوية القبطية منذ ذلك الحين

    ماذا كان ينتظر غير ذلك؟ وهل هذا خطأ المسيحيين؟ أعود الى التاريخ القريب فليقارن بين نتائج آخر انتخابات جرت قبل 52 وأول انتخابات بعدها من حيث نجاح المسيحيين انتخابات 57 لم ينجح منهم أحد!!

    فى الخلاصة يورد الآتى:

    فهو يتحدث عن سكان أصليين وآخرين ضيوف على أرض مصر، ولكنه يدرك جيدا استحالة ترجمة ذلك إلى مطالبة بكيان سياسي يخص الأقباط

    حديث بعض المسيحيين عن سكان أصليين وأخرين ضيوف ليس المقصود منه الحصول على كيان سياسى يخص المسيحيين ولكنه محاولة منهم لدفع النسبة من المسلمين والمدعومين بفكر دينى والذين لا يرون فى مصر وطنا حيث تمتد رؤاهم الى وطن متسع يشمل كل المسلمين ولا يؤمن غالبية منهم بالوطن أساسا الى حثهم لاعادة تفكيرهم ليعتبروا مصر وطنا

    الخلاصة النهائية:

    المشكلة ليست فى المسيحيين فالمسيحيين المصريين يؤمنون تماما بأن مصر كلها من أقصاها الى أدناها وطنهم يشاركهم فيه مواطنيهم المسلمون بنفس القدر ولكن المشكلة فى اقتناع نسبة من المسلمين بمصر كوطن والتى لن تحسم الا بحسم هوية مصر والاتفاق عليها

    مهندس نصرى جرجس

  • كاتب المقال

    عزيزي السيد نصري جرجس
    لقد سعدت كثيرا بقراءة تعليقك المطول على مقالتي التي أرسلها سامر سليمان
    إلى “مارد” ودعني أوضح لك بشكل مختصر ما حاولت إيراده من حجة في المقال:
    أولا: المقال كان يهدف لتحليل التصورات المطروحة على الساحة ولذا فهو
    خطاب نقدي وتفكيكي يساءل ما يؤخذ على سبيل التسليم وليس خطابا أيديولوجيا
    يهدف للتعبئة أو التحريك، وذلك ردا على تشكيك سيادتكم في علمانيتي أو في
    صدق دعوتي للدولة المدنية وإن كنتم قد أرجعتموه فيما بعد لعجزي “كمسلم
    مصري” في معرفة ما يدور في خلد “المسيحيين المصريين”

    ثانيا: إن تبني لطرح الدولة المدنية في مصر يقترب كثيرا من المدرسة
    الأنجلوساكسونية والأمريكية في أسس الجماعات السياسية، والتي يرون أنها
    تقام قبل كل شيء على مجموعة من الحقوق والحريات المكفولة للأفراد، وفي
    هذا الضوء يتشكل المجالان العام والخاص بحيث تسقط كافة العناصر الموضوعية
    للهوية من دين وثقافة وفكر إلخ في المجال الخاص ويظل المجال العام محلا
    لإجماع حول قواعد اللعبة من حقوق وحريات وليس حول جوهر الهوية سواء أكانت
    مصرية أو عربية أو إسلامية إلى أخره وأنا في هذا أعارض المدرسة الخصم
    للفكر الأنجلوسكسوني وهي المدرسة اليعقوبية الفرنسية والتي ربطت قيام
    الجماعة السياسية بوحدة الثقافة باعتبار المواطنين كلا لا يتجزأ وهذا
    المبدأ يلغي الفرد لصالح الجماعة ويؤسس لكل التجارب الشمولية التي شهدها
    العالم في القرن الماضي.

    ثالثا: بناء على هذا الفصل البسيط بين التقليدين الموروثين لأسس الجماعات
    السياسية أرى أن النضال حول الطائفية اليوم في مصر ينبغي أن يكون حقوقيا
    بالأساس بالحديث عن حقوق وحريات الفرد المهدرة، لأن “حسم ” الهوية
    المصرية لن يضمن حقوقا لأحدهم وغالبا ما سوف يتردى إلى مهرجان كلامي لا
    يختلف كثيرا عن الحديث عن الوحدة الوطنية وذكرى ثورة 1919
    رابعا: ربما يؤدي نقد وتفكيك الخطابات الهوياتية المالكة على المجتمع
    عقله في مصر سواء تلك الطائفية أو الإسلامية يفسح بعض المجال أمام تيار
    ديمقراطي، علما بأ، المجموعات التي تعرضت للاستبعاد والتهميش لانتمائها
    الديني أو العرقي كاليهود مثلا في أوروبا والسود في الولايات المتحدة
    صاغوا مشكلاتهم في صيغ ديمقراطية وليبرالية تسعى لكسر قالب الطائفية ذاته
    كمعيار للفرز الاجتماعي والسياسي

    ولكن جزيل الشكر على اهتمامكم
    عمرو

اترك تعليق