شريف يونس
“إلى الأمهات الآلهات لا يوجد طريق! عليك أن تسلك اللا مطروق، اللا مباح، ما لا يمكن أن يُباح، فهل أنت مستعد؟ لا أقفال هناك ولا مزاليج، ستسير فى خلاءات تفضى إلى خلاءات… لن تشاهد أى شىء. لن تسمع الخطوة التى تخطوها. لن تجد شيئا ثابتا تستريح عليه”.
جوته، فاوست، ج3. ترجمة عبد الرحمن بدوى [بتصرف]
من أى مكان، من أية بؤرة منسية فى أعماقنا أتى لنا داود عبد السيد بهذه الرسائل؟ مذهلة حقا.. زجاجة شفافة مغلقة وعائمة على سطح البحر، تحركها الأمواج كيفما شاءت. ليس بها سوى “ورقة ملفوفة”، اتضح أنها مكتوبة بحروف لاتينية ولكن ليس بلغة معروفة، فقد فشلت كل الجنسيات فى الإسكندرية فى قراءتها. ربما هى “رسالة”، ولكنها أيضا تخلو من أى رسم أو علامة تلمح إلى مضمونها. وحتى لو كانت “رسالة”، يبدو أنها، لخلوها من أى “محتوى”، ليس لها مكان فى حياتنا. ولكن.. ماذا، ماذا حقا لو كانت هذه الرسالة، هذه الرسالة بالذات، بالذات لأنها “لا-رسالة”، هى أهم شىء يمكن أن يحدث لنا؟
“تلك الرسالة” – 1
هى إذن رسالة صامتة، رسالة لا تقول شيئا، لا تأتينا بخبر السماء، لا تعظنا، لا تنهانا عن شىء، ولا تكلفنا بمهمة نضالية. لا تثير فينا الإحساس بالذنب فنندفع لكى نكفِّر عن ذنوبنا، ولا تثير فينا الغضب فتدفعنا لإجبار الآخرين على دفع ثمن ذنوبهم، ولا تتحدانا، لا تمنحنا مفتاح الكنز ولا مفتاح السعادة. الأكثر غرابة أنها ليست حتى لغزا نتسلى بحله، ثم ننصرف فى حال سبيلنا مبتسمين. حتى بطل الفيلم “يحيى”، ذلك الذى عثر عليها، يتخلى فى النهاية عن محاولة حل شفرتها. مع ذلك لم يشعر بالإحباط، كأنه، برغم كل ذلك، تلقى الرسالة بالفعل.
تلقى الرسالة لا يعتمد إذن على “قراءتها”. ولكن إذا كانت رسالة لا تُقرأ، يكون من المؤكد أنها ليست كأية رسالة أخرى. وإذا كان لها معنى، فلا بد أن هذا المعنى يقع “بالتحديد” – إن جاز التحديد هنا – خلف ما نفهمه من كلمة “معنى”. إذا افترضنا جدلا أنها قد تكون أهم شىء فى حياتنا، فإنها لن تكون كذلك بسبب محتواها، وإنما بسبب لا-محتواها، إن جاز التعبير.
إذا كان “يحيى” قد تلقى “الرسالة”، وإذا كنا قد تلقيناها معه، لا بد أنها “قالت” لنا شيئا، ولكن يبدو أنها “تقوله” لنا بالتحديد بأن لا تقول، بمجرد أن توجد بحالتها هذه.. بأن تدعونا إلى تلقيها كـ”نداء” مجهول، بلا معنى محدد، وقادما من مجهول. نتلقى هذه الرسالة بأن نفتح أنفسنا لنداء مما هو “هناك”، “هناك” الذى “يقع” بعد كل النداءات التى عرفناها والتى قد نعرفها فى المستقبل؛ نداء من الماوراء، وراء كل ما هو “أمام” أو طبيعى وبديهى.
هى إذن ذلك النداء، وبالتالى علينا، يا سبحان اللـه، أن نستجيب. نستجيب لأى شىء؟
بالطبع للا-مضمونها، الذى هو مضمون ندائها. نستجيب بأن نقبل أن تحيلنا إلى المجهول.. ليس إلى مجهول محدد، بل إلى المجهول بألف لام التعريف.. إلى خارج أنفسنا. حين نستجيب لهذا النداء لن يكون لدينا خيار سوى أن ننطلق من حيث نكون إلى خارجنا، ذلك الخارج الذى يشكل حدودنا. هى إذن تدفعنا إلى مجهولنا نحن. بوقوفها على الحافة التى تفصل، وتصل، بين الرسالة واللا-رسالة، تحيلنا إلى حواف أنفسنا وعالمنا، فتفتحنا على ما وراء حافتنا، فنتدفق منها إلى ماوراءنا.
كأنها وضعت عالمنا كله بين قوسين، حددته من الخارج، غطته مؤقتا، فجعلتنا نراه كبقعة فى العالم، ليصبح عالمنا أوسع مما ألفناه، يتضمن حدنا وماوراءه. يصبح عالمنا المألوف مجرد احتمال، مجرد إمكانية من إمكانيات حياتنا، إمكانية قررنا، حين استجبنا، أن ندعها جانبا، ولو مؤقتا.
فتحت لنا “اللا-رسالة” إذن أبواب الحنين، الحنين إلى آخَرنا. ربما كان آخرنا هذا هو ما تخلينا عنه من آمال، أو ما أهملناه من ممكنات، أو ما ضحينا به من أجل أن نحقق ما حققناه، ونحفر مكاننا فى هذا العالم، ونلقى تقديره حين نعلن أننا قد “نضجنا”.. “استوينا” فى مكاننا الذى أتيح لنا. حين تضع “اللا-رسالة” نضجنا هذا بين قوسين، تكون قد أحيت فينا كل ما ظنناه قد مات، تناسيناه ووضعناه خلف حياتنا، خلف حافتها.
“رسالة” كهذه، هى بالطبع لا تُقرأ، يكفى أن نصر على قراءتها لكى نكون قد نبذناها عمليا. ويكفى أن نتناولها ولا نقذف بها عرض الحائط لكى نكون قد تلقيناها، بل لا توجد أية وسيلة أخرى لتلقيها. يكفى أن نفتح أنفسنا لها، أن نستجيب لمجهوليتها، لكى نكون قد قبلناها. تفتُّحنا لها يعنى أننا قد قبلنا هذا “العرض” بأن نخطو إلى خارج “أنفسنا” التى “نعرفها” أو تواطأنا على التكيف معها ومع فكرة أننا نعرفها، إلى.. إلى؟
التلقى – 1
إذا كان الحال هكذا، كيف يمكن أن أتجرأ وأكتب؟ أن أفسر وأحلل؟ ألا يكون معنى ذلك أننى أحاول أن أفك شفرة معناها يكمن فى “شفريتها” بالذات؟ أو قل فى لا-شفريتها، فى خوائها الخاص هذا؟ ألن أغير بذلك طبيعة الرسالة وأحولها إلى ما رَفَضَت أن تكونه؟ ألن أكون بذلك قد رفضت أن أتلقاها؟ أبطلت مفعولها؟
ولكن بالمقابل، هل أستطيع أن أصمت؟ لقد تلقيت الرسالة بالفعل، وعلىّ أن أستجيب. ولكن كيف؟ وضعنى داود عبد السيد فى مأزق هنا. استدرجنى وأدخلنى فى عالم جميل، عالم أصابنى بشهوة الجمال الذى تدفق علىّ من الشاشة، وتركنى مسحورا أحاول أن أشاركه. أنا فى الحقيقة مضطر لأن أشاركه.. لأنه لا توجد أصلا خيارات أخرى، فقد أشركنى بالفعل.
كيف أشاركه؟ لا أستطيع أن أحمل الكاميرا وأمضى فى طريقى. ولكنى أستطيع أن أقاسمه بالطريقة التى أعرفها، الكتابة.
ولكن داود يحذرنى: إذا ترجمتها إلى “الرسائل” الأخرى التى تعرفها، ستكون فى نفس اللحظة قد فقدتها. ولكنك يا داود لم تفقدها وأنت “تترجمها” إلى لغتك. بطريقة ما أبقيتنا قرابة الساعتين “نستمع” إلى “لا-رسالتك”.. أستغفر اللـه، بل إلى “لا-رسائل” البحر. يبدو إذن أن هناك طريقة لقول ما لا يمكن، بطبيعته ذاتها، أن يقال.. فلأحاول أنا أيضا. سأحاول أن أحكى عما رأيته.. أن أمرح.. أن أترك نفسى لأمواج البحر، وللرسائل التى ترسلها.. وأن أشرككم فى الكلمات مثلما أشركنا داود فى عالمه الوسيع.
الحافة – 1
يورطنا داود عبد السيد من أول مشهد مع “يحيى”، ذلك الشاب الذى التقط الرسالة (ولكنه لم يكن فى هذا المشهد قد التقطها بعد). لماذا هو؟ ليس لأنه أول من عثر على الزجاجة الشفافة. سبق أن رأتها مراكب وزوارق، وذات يوم اصطادها صياد عجوز، فاستعاذ باللـه ورماها فى البحر. أليس من الوارد أن بها سحرا، شرا مستطيرا؟ ولكن أيضا، من ذا الذى يلقى الآن رسائل مغلقة فى البحر؟ أليس الأرجح أنها ليست أكثر من لهو صبيان؟ أيا كان أمرها، مالنا والرسائل التى لا تخصنا ولا تفيدنا؟ أليس لدينا ما يكفينا ويزيد؟ الصياد الذى يجرى على رزقه لديه بالتأكيد ما يشغله عن الرسائل المجهولة.
من كلَّف خاطره والتقطها هو بطلنا “يحيى”. حين وجدها تحت قدميه عند الشاطئ، عند الحافة بين الأرض والبحر، التقطها فى واحدة من أصعب لحظات حياته، وحيدا وفى شدة الجوع وبلا نصير، وحدَّق فيها. وبرغم أنه أدرك أنه ليس فيها سوى تلك الورقة، أخذها. ربما كانت مجهوليتها هذه تعنى شيئا بالنسبة له. هو شريد فى هذا العالم كما هى شريدة. وهو يبحر فى المجهول كما أبحرت. كيف؟ ما الذى يجمعه برسالة كهذه؟ كيف أصبح مثلها؟ هل ألقى بنفسه إلى ما وراء عالمه؟
لم يكن “يحيى” متشردا عريقا، ولم ينشأ على الهامش، فى “اللا-معنى” بالمعايير الاجتماعية. بالعكس، نشأ وعاش فى أسرة ميسورة حتى أصبح رجلا ممتلئا إلى الحافة بتلك المعانى المتعارف عليها: النجاح، التفوق، تدعيم المكانة الاجتماعية، إلى آخره. أغدق عليه مجتمع الطبقة الوسطى كل ما يستطيع أن يغدقه على فرد، حتى يمكن أن نقول أنه لولا مشكلة “صغيرة” يمكن أن يعتبر أيقونة تُعبد فى أى بيت من بيوت الطبقة الوسطى. أعطاه قدره أبوين ميسورين، توفيا، ولكنهما اعتنيا “كما ينبغى” بأطفالهما. حصل فى مراهقته على تعليم متميز، وحبته الطبيعة بالذكاء.
هل كان إذن متمردا بطبعه؟ أبدا. انصاع يحيى “للعقل”، لمعايير عالمه، واجتهد فى السير على الطريق المرسوم، وحصل بالتالى على شهادة ومهنة مرموقة. هكذا يمكن القول أن مجتمعه قد “حَقَنَه” بكل ما هو “عظيم”، أو غلَّفه به، أو بالأدق “نَحَتَه” بقدر الإمكان على هذا النحو الذى تتمناه كل أسرة متوسطة أو فوق متوسطة لابن بار مثله من أبنائها. من بين كل هذه النعم، أغدق عليه قدره منزلا فسيحا ظن أخوه أنه سيتركه بعد وفاة أبيهما لأنه “واسع” عليه. لكن “يحيى” يرى، بالعكس، أن حياته هذه بأكملها ضيقة.
ضيقة حقا.. فداخل هذا “النُصُب التذكارى” الأنيق للطبقة الوسطى المصرية هناك شىء ما، شىء غير قادر على التكيف. هذا الشىء يخرج من هذا الكائن كتأتأة. “عاهة”، ولكنها غريبة حقا.. تبدو كإعلان عصيان يأتى من الداخل ليعيق الحلم الوردى ويحول دون قبول العطايا الاجتماعية وحُبِّها و”حمد اللـه” عليها. لم يتمرد “يحيى”، ولكن ها هى التأتأة تتمرد بالنيابة عنه وتفرض نفسها عليه وتدفع به إلى الفشل الاجتماعى والمهنى، وتصيب أبيه قبل موته بالحسرة على ابنه النابغ. فى النهاية، ولكن فى بداية الفيلم، يكتمل تفكك هذا العالم بوفاة أبيه، ينقطع آخر حبل يربط السفينة الفاخرة، ولكن المعطوبة، إلى مرساها الآسن الحزين.
الماوراء – 1
يقرر “يحيى” أن يترك المنزل الفسيح فى القاهرة ليعيش وحيدا فى شقة أصغر فى الإسكندرية، كانت تعيش فيها الأسرة فى زمن مضى، حين كان هو صغيرا. لم يكن رحيل “يحيى” مجرد انتقال فى المكان، بل فتح لباب المجهول. هجر “يحيى” الطب وقرر أن يعمل صيادا. ولكن يا له من صياد عجيب، صياد “يحترف” هواية، يصطاد بسنارة، لا بقارب وشبكة (وبالتالى يقف على الحافة بين اليابس والماء). يكتفى ببيع حصيلة اليوم فى حلقة السمك، ليشترى طعامه. ولكنه مدعوم أيضا بنقود تصله على البنك من حين لآخر من أخيه المسافر.
لسنا إذن أمام “متشرد بالوراثة”، ولا حتى متشرد مستجد لا يجد قوت يومه، وإن كان يجرب الجوع.. جوع من ترك عالمه إلى عالم لا يألفه، لا يعرف الطريق فيه. لسنا أيضا أمام بطل مغوار، يهجر عالمه لأنه، مثلا، يرفع مبادئ عليا ويسعى لأن يحققها، أو يسعى على الأقل، مثل “تولستوى”، لأن يطبقها فى حياته الخاصة. لسنا هنا أمام أى رمز من أى نوع، وإنما فقط أمام إمكانية، فرضتها الظروف، لإحداث شق صغير، صدع فى الحياة المألوفة، يظل يتسع إلى أن يسمح بمرور “يحيى” منه إلى “الناحية الأخرى”، إلى ماورائه. لهذا كان مهيأً تماما لتلقى “تلك الرسالة”.
*
أول الخيارات المتاحة أمام ابن أصيل للطبقة الوسطى المحافظة أن يعيد وصل ما انقطع من ماضيه فى الإسكندرية. وجد “يحيى” فى عمارة الإسكندرية أسرة واحدة متبقية من الجيران القدماء، أسرة صغيرة من أصول إيطالية، مكونة من سيدة عجوز وابنتها الشابة “كارلا”، التى كان يحبها فى مراهقته المبكرة. هى ربما إحدى العائلات الأجنبية أو المتمصرة القليلة التى بقيت فى تلك المدينة، بقايا عصرها “الكوزموبوليتى”.
ولكن الحنين إلى ذلك الماضى، ماضى “يحيى”، أو ماضى “المدينة” سرعان ما يتلاشى. تفشل محاولة إعادة بناء علاقة مع “كارلا”. كان من الصعب أصلا أن تنجح: لم تكن صديقته هذه برغم “أجنبيتها” مهمشة فى المدينة أو “غريبة” عنها. المدينة العملية تقبل الناجحين، وهى قد نجحت بامتياز فى التكيف، واستطاعت أن تغتنى من عملها فى تصميم أزياء الأغنياء. عالمها لا مكان فيه لـ”يحيى”، فهو آتٍ “تحديدا” من “الواقع” إلى “الماوراء” بينما تعزز هى مواقعها فى قلب هذا “الواقع”. طبيعى أن تفضل عليه “كارلا” إحدى زبوناتها الغنيات، زبونة تحب الثروة والمجوهرات والترف. تتبقى فقط العلاقة الجميلة مع أم “كارلا” العجوز، التى سترحل مع ابنتها من الشقة قرب نهاية الفيلم، حاملة قيما أكثر حرية وإنسانية. لا نوستالجيا إذن ولا إحياء للماضى. فى تلك اللحظة، عند انتهاء أية إمكانية لإعادة بناء ما مضى، يعثر “يحيى” على الرسالة التى تناسبه، يجد تلك الزجاجة عند قدميه ويلتقطها.
“الماوراء” – 2
بتلاشى النوستالجيا، لا يتبقى سوى “تلك الرسالة”، الخروج إلى النداء، إلى الحافة. هنا يصبح التجوال الحر بلا هدف هو “الأمر الأخلاقى المطلق”. حين نخرج من أنفسنا يصيبنا جوع غريب (ولكننا نعرفه جيدا)، جوع إلى ما ليس نحن، ما ليس عالمنا ودوائرنا المألوفة، فنسير على غير هدى. السير نحو “هدف” يعنى أننا نسير داخل مألوفنا، أما السير على غير هدى فهو صحبة مع النفس إلى حواف عالمنا المألوف، هو خروج، هو نهم إلى ما لا ندرى، مما ظل يحيط بنا طيلة الوقت ونستبعده، طالما ظللنا مندمجين ومتكيفين. التجوال هو رسالة أخرى من تلك الرسائل التى تقول بأن لا تقول.
ولكن خطوات “يحيى” التائهة تحدد بالصدفة معالم ما لهذا المجهول، لتجعل منها آخَره هو. ليس كل ما نقابله بالصدفة، حتى ونحن خارج أنفسنا فى التجوال، يبقى معنا. يتبقى ما يجتذبنا، ما هو أقرب إلى أحلامنا الغامضة، إلى ماورائنا الخاص، فنستجيب له ونعتبره محطة جديدة فى حياتنا، فنضع عليه علامة، ويضع علينا علاماته. إذا لم يحدث هذا اللقاء لن نستطيع أن نتلبث على الحافة. إما أن نرتد إلى ما كنا عليه، منهكين، وإما (إذا تعذر ذلك علينا، إذا كانت العودة أكبر من طاقتنا، أو كان الماضى لا يطاق) أن نلبس الخيش ونذهب إلى الصحراء مع المتصوفة القدامى. سنكون مثل “بشر الحافى” كما غرسه فينا “صلاح عبد الصبور”. ولكن “يحيى” منَّا، لا من المتصوفة.. ها هو يقع أثناء تجواله على ما يجتذبه، على ماورائه.
بالإضافة إلى الشقة و”المهنة” الجديدة، هناك البار، الذى يذيع باستمرار أغانى أم كلثوم. حين يدخله “يحيى” ويسكر لأول مرة فى حياته ينطلق لسانه مغنيا بلا تأتأة، ولكنه يسقط مغشيا عليه على الفور. طبيعى إذن أن تتوطد علاقته بالخمر والبار. يقول الواعظون أن الخمر تُذهب بالعقل، لا أدرى عن خبرة أم نقلا عن الكتب. ولكن أول ما كان “يحيى” بحاجة إليه هو التخلص من هذا العقل، أو بالأدق من هذا “النُصُب التذكارى” الذى صُب فى قالبه.
فى البار تتكون علاقته بصديقه الحميم الجديد.. “قابيل”، البودى جارد. كان هو الذى أنقذ “يحيى” حين سقط مغشيا عليه فى البار، فحمله واستضافه فى غرفته. البودى جارد ليس شريدا مثل “يحيى”، فله ولصديقاته من فنانات الكباريهات مكان فى عالم الإسكندرية. ولكن هذا المكان يقع بالضبط على الهامش. أناس يقدمون خدمات للمجتمع القائم، يحتاجها ويدفع فيها نقودا ولكن لا يحترم من يقدمها، يحيطهم بالازدراء والتوجس. هم إذن حافة من الحواف التى يكشف فيها المجتمع تناقضاته. هنا أيضا ليس الهامش فقرا، برغم أن قابيل يعيش فى غرفة متداعية على سطح فى حى شعبى.
لماذا يعيش “قابيل” هناك؟ لماذا لم ينتقل إلى شقة أوسع فى أحياء الإسكندرية الغالية؟ لأنه هو أيضا يعيش على “حافة” هذه المهنة. فهو لا يضرب أحدا مكتفيا بمنظره المخيف، لأنه سبق أن سقط شاب بين يديه قتيلا فى معركة. هو فى الحقيقة بودى جارد يتدفق عذوبة، بل هو أعذب شخصية فى الفيلم. على خلاف رعب الطبقة الوسطى الذى يدفعها للحلم بالقوة الجسدية والعنف، فتمارس الرياضات العنيفة، وتتفرج على أفلام تحمل شحنة هائلة من العنف والغل ونشوة الانتقام، يخشى هذا البلطجى من قوته: البطش ليس جميلا، والقوة يجب ألا تؤذى الناس. احتاجها “قابيل” ليكسب رزقه، ولكنه يأمل أن يكتفى بصورة القوة فحسب، لا مفعولها. بدلا من أن يبحث عن أقصى استثمار لقوته، يتحايل لكى يستثمرها أقل استثمار ممكن. طبيعى أن “قابيلا” كهذا لا يستكمل رحلة الصعود ويختار أن يبقى فى ذلك الحى: هذا هو عالمه الذى ينتمى له ويعرفه، الحى الذى فيه ناسُه. وهو نفسه المكان الذى يستضيف “يحيى” بكرم عفوى مفروغ منه كلما ضاقت به السُبُل، وكأن هذا الالتزام هو طبيعة الأشياء فى هذا العالم. هو إذن لقاء موفق يُنتج صداقة رائعة بين اثنين تخليا طواعية عن عبادة السطوة، سواء كانت ناتجة عن المال أو المكانة أو القوة البدنية.
“يحيى” تقوده قدماه أيضا إلى رصيف بيت لا يعرف سكانه، بيت من بيوت الأحياء الغنية، ينبعث منه عزف موسيقى على البيانو، معظمها مقطوعات للموسيقار البولندى شوبان. عزف جميل لموسيقى رومانسية (والرومانسية انفعالية وذاتية، ولكنها ليست بالضرورة ولا بصفة أساسية حالمة). يشده العزف فيقف على رصيف المنزل. كان “يحيى” واقفا يستمع وهو فى شدة السكر، فيفقد الصبر ويحاول أن يدخل، أن يلتحم بهذا الجمال المنبعث من خلف الشباك. تقبض عليه الشرطة ويلقى “المعاملة” المعتادة فى الأقسام للسكارى الهائمين على وجوههم من أمثاله. يسحب سكان البيت الذى حاول اقتحامه البلاغ، ويُفرج عنه، فتتوطد صلته برصيف المنزل، ولكنه يحترم إرادة سكانه ولا يحاول الدخول مرة أخرى. يصبح الأمر وكأن هناك اتفاق ضمنى بينه وبين هذا العازف (الذى لن نعرف من هو أو من هى إلا قرب نهاية الفيلم). ففى نفس الوقت تقريبا من كل يوم يعزف العازف المجهول ويقف “يحيى” مستمعا على الرصيف.
يمنحه التجوال أخيرا المرأة التى أحبها وأحبته. هى التى تبادر وتتعرف عليه فى الشارع (ولن نعرف إلا قرب نهاية الفيلم لماذا تصرفت هكذا). تسمى نفسها “نورا” وتعرض عليه أن يشاركها السير تحت المظلة أثناء المطر، وتبدو مصممة على الاقتراب منه. تكاد تفرض عليه أن تبيت فى بيته. خطر لـ”يحيى” أنها “مومس” برغم ملابسها الثمينة. تتقبل “نورا” تصوره هذا (ونظل نحن المتفرجون حائرون، هل هى مومس بالمعنى المتعارف عليه فعلا؟). تعامُل “يحيى” معها متحفظ. فهو الآن فقير، وهى يبدو أنها تبيع الجنس للأغنياء. وهو بالمقابل يقدم نفسه لها كصياد، وفقا لـ”مهنته” الجديدة، فى شقة يستحيل أن تكون شقة صياد. ولكنها تتقبل الوصف، تماما كما تقبَّلها هو على علاتها.
بهذه الخيوط الواهية تُبنى حياة صديقنا “المتأتئ” على حافة العالم- إن جاز التعبير. حياة تركت الماضى إلى “لا-مستقبل”، مفتوحة على مصراعيها للمجهول، لـ”تلك الرسالة”، التى أخذت، مع ذلك، تتشكل. أصبحت بشكل متزايد ذات مضمون ما.
“الماوراء” – 3
ما حكيته من الفيلم ليس سوى خطوط معينة تنقصها ملامح وخطوط أساسية وثانوية بالغة الغنى، ليس فى نيتى أن أستقصيها، سأحكى منها فقط ما يكفى لمتابعة السير على الحافة التى تدفعنا لها “تلك الرسائل”، وعبورها، ولكن إذا، وفقط إذا، استجبنا لها. فهل نستجيب؟ لا، ليس الأمر كذلك.. المسألة هى: هل نملك ألا نستجيب؟ إنها مغرية حقا.. رائعة.. بل مذهلة.
كيف؟ حياة “يحيى” فى الماوراء ليست أكثر من تتال لما هو مؤقت، للصُدَف، حياة تشمل “مومسا” و”بلطجيا” ويلفها الفقر، وأهم منه الهامشية، حياة بلا مستقبل. هى باختصار، وبالضبط، الحياة التى بنينا حياتنا واجتهدنا لكى نفلت منها، لكى نصبح “محترمين” ومقبولين اجتماعيا.
ولكن يا للعجب. هذه الحياة التى “أفلتنا” منها، التى نبذناها، التى أقسمنا أننا نحتقرها تماما، وأننا لن نقترب منها أبدا، التى نخاف منها، تجذبنا بقوة، تجذبنا من داخلنا. هذه الحياة ليست جميلة، بل ساحرة، بل ربما كانت هى الحياة ذاتها، الحياة التى حلمنا بها يوما، كلذة سرية، ربما طفولية، كمجرد حلم. باستثناء الدقائق الأولى تملأ هذه الحياة الشاشة وتستعرض أمامنا تدفقها الغنى العذب.
هذه الحياة على الحافة لا تشبه إذن هذا الخيال المرعب عنها الذى يغلف حياة الطبقة الوسطى ويمنحها تماسكها. “رسائل البحر تقوض هذا الخيال، تقوض الرعب من المجهول.. هى إذن تقوض دفاعاتنا.. تماسكنا القائم على الرعب من المجهول، المدفوع بغريزة “البقاء”، بقاء قوامه التشبث بالحصون الاجتماعية للاحتماء من الآخرين، من الغرباء، السوقة، المعدمين الذين لا نرى فيهم إلا الطمع فيما فى أيدينا.
تتهادى تلك الحياة أمامنا فتتداعى الحدود التى بنيناها، ينكشف لنا بؤس ما اخترناه، ما دُفعنا دفعا إلى اختياره ثم تبنيناه. تنكشف لنا كحياة عبارة عن كتلة من الضغوط، ضغوط مقاومة السقوط المرعب إلى أسفل وضغوط مطالب الارتفاع إلى أعلى. حياة صعبة ومرهقة وكئيبة. لقد تقبلناها لأنها تحمينا من الصدفة والمجهول، وها هى الرسائل تقلب عالمنا وقيمه وحدوده رأسا على عقب.
كيف هى؟ أقصد حياة “تلك الرسائل”؟ استحضر منها فقط شيئا يهمنى بصفة خاصة. يعرِّفنى “يحيى” بطريقة جديدة على جمال الموسيقى. اعتدنا على الموسيقى كسلعة، جمال نقتنيه فى هيئة اسطوانة أو شريط، تزداد قيمته بقدر احتراف الفرقة الموسيقية. جمال نحبه أو نقدِّره بقدر ما يكون “جود كواليتى”. أما متعة الموسيقى عند “يحيى” فهى أن نسمعها كعزف حى، المهم أن يكون حيا، ولن ينتقص من جماله هنا أخطاء العازفين أو المايسترو. الموسيقى جميلة بقدر ما تكون خبرة حية، بقدر ما تكون تفاعلا مع المجهول، مع الماوراء، لا بقدر إتقانها.
ولكنها عموما حياة جميلة بأعمق معنى للكلمة. هنا تترعرع أخلاق جديدة تناسب عالما متحررا من أغلال “المجتمع” المحترم، تسوده أخلاق نابعة من “الماوراء”. الإنسان هنا، الإنسان الواقف على الحد، هو “مقياس الأشياء” والفضائل، وحياته بالتالى حياة ترتوى بدفء “الإنسانية” بمعناها البلدى، أى الرحمة بالنفس وبالآخرين. هنا يستطيع “يحيى”، متخلصا من أعباء “النُصُب التذكارى”، أن يتحدث عن تأتأته وعن تربيته، عن فشله الاجتماعى وعن يأس أبيه من مستقبله، وأن يتجاوز هذه الآلام. هذه الأخلاق تتجاوز بطبيعتها الحسابات الاجتماعية، فلا يدهشنا أن “يحيى” يتقبل بشكل طبيعى، بل فى الواقع يطلب، أن يتزوج حبيبته التى يظنها مومسا، وأن يعرض عليها أبوته لطفل قد لا يكون ابنه، يكفى أنه ابنها لكى يكون جزءا من علاقتهما.
الحافة – 2
لماذا الرحمة بالنفس والآخرين؟ لأن هذه الحياة الغنية المتدفقة لها ثمنها.. هى حياة لا تقوم بذاتها، ولكن بنقيضها. هى حافة.. والحافة حد يحد شيئا ما ويلتصق به. هى حياة فى مسام المجتمع، على هامشه، هامش قد لا يكون فقيرا ولكنه منبوذ أو محتقر، والأهم أنه خالٍ من “المعنى” كما نعرفه. هو بالفعل آخَرنا المرعب، والمجتمع المرعوب يرد بعنف. يتعرض ذلك الشاب الذى ورطنا داود معه لما يتعرض له الهامشيون من عنف الشرطة التى “تحمى المجتمع” من أمثالهم. يبدو تعامل الشرطة العنيف مع “يحيى” وأمثاله “طبيعيا” تماما. فالمجتمع بأكمله تقريبا يتجاوز عن قسوة التعامل مع هذه “الفئة الخطرة” التى تهدد أمنه، وفى نفس الوقت تداعب خياله السِرِّى. إنه قانون المجتمع تجاه الحد.. تجاه كل ما يلتبس عليه. المجتمع يريد الوضوح، وعليك أن تحدد هل أنت هنا أم هناك؟ ليس مسموحا ولا متصورا أن تكون هنا وهناك معا، إلا فى خيالك الخاص.
ماذا إذن عن علاقة الحد بالمجتمع؟ هل هناك علاقة؟ بالتأكيد: هما متداخلان بشكل ما، لأن الحد بطبيعته ليس له حد يفصله عما يحده. هى علاقة بين موقفين مختلفين، ولكنها لا يمكن أن تقوم على المنافسة. المنافسة هى قانون المجتمع، إذا كافح الماوراء سيكون كفاحه بالضرورة كفاحا من أجل عبور الحاجز المائع، من أجل دخول المجتمع وإجباره على إفساح مكان للقادم الجديد الآتى من حافته وتوطينه. ولكن ما طرحه “رسائل البحر” من البداية هو بالضبط الرحلة العكسية، من “المجتمع” إلى “حوافه”، من الداخل إلى الساحل، من القلب إلى الحد. هى رحلة يستحيل بطبيعتها ذاتها أن يكون قانونها الصراع على المكانة أو الحصول على “الاعتراف”، لأن هذا بالذات هو ما تركناه حين قررنا الرحيل.
من باب أولى يستحيل أن تتضمن هذه الرحلة صراعا مريرا حتى النصر أو الشهادة، بقدر ما أن المجتمع يُنتج ويعيد إنتاج حده، وبقدر ما يحتاج إليه أيضا. العلاقة بين المجتمع وهامشه علاقة تعايش ضرورى من ناحيتين. أولهما أن الهامش باطن فى المجتمع نفسه، ولذلك يحتاجه، وثانيهما أن الهامش يحتاج المجتمع، لأنه ببساطة “هامش المجتمع”.
كيف هى العلاقة بينهما إذن؟ تستحق هذه المسألة بعض التأمل، ليس فقط لأنها فريدة ومحورية معا، ولكن لأنها قابلة تماما لإساءة الفهم إذا نسينا أننا أمام “تلك الرسالة”. برغم التعايش هناك بالفعل مواجهات بين المتن والهامش، مصدرها وجودهما المشترك، الأرض التى يتواجدان عليها. يتمسك “يحيى” بشقة الإسكندرية، ليس لقيمتها المالية، ولكن لأنها سَكَنه، القاعدة التى بنى منها “عالمه” الجديد. “هاشم” اشترى العمارة الجميلة القديمة ليهدمها ويبنى مكانها “مولا”. “يحيى” هو آخر السكان ويجب أن يخرج لكى يتحقق المشروع. ولكن “هاشم” فى الواقع ليس محتالا ولا حتى جشعا بشكل استثنائى. فهو يعرض مجموعة متنوعة من التعويضات السخية ليغرى “يحيى” بإخلاء الشقة. وهو يبدو من مظهره وسلوكه العام أنه قطع رحلة عكسية، من هامش المجتمع إلى قلبه الثرى، خاض الصراع ونجح. التفاهم إذن بين المتن والهامش، وحتى الفهم المتبادل، مستحيل. تشبث يحيى بشقته بلا معنى عند “هاشم”، مثلها مثل “تأتأته” التى نبذها فور أن سمعها، فالوقت من ذهب، وهو يريد “كلمة ورد غطاها”. بالمقابل عروض “هاشم” السخية تبدو بلا معنى عند “يحيى”.
هذا الصراع يفتقر إذن إلى أرضية مشتركة، سوى كيان مادى، هو الشقة. ولكن الشقة ككيان مادى تنتمى إلى المجتمع وتحولاته. المتن هو الذى يحدد بدرجة كبيرة هامشه. يسلِّم “يحيى” و”نورا” عُشهما بعد هجمة محدودة من بعض البلطجية، الشاعرين بتعالٍ أخلاقى على أبطالنا المدانين اجتماعيا لأنهم يقيمون علاقات “غير مشروعة”، غير “نظيفة”. يسلمانها بعد أن أتت إليه “نورا” أخيرا وقد قررت هى أيضا أن ترمى ماضيها والثراء الذى تعيش فيه وراءها (علمنا الآن كمتفرجين أنها هى عازفة البيانو) وتُنصت لنداء “تلك الرسالة”. بعد تردد طويل اختارت الحب بدلا من الأمان، الناس بدلا من الأشياء، بمعنى ما كانت “الهزيمة” جزءا متمما طبيعيا لاختيارهما.
ليس لدينا إذن صراع حتى النهاية. ولكن أيضا لا يوجد صُلح، ولا يبدو أن “التعايش السلمى” ممكن، على الأقل لأن الأخلاق السائدة فى نهمها اللا نهائى، فى صراعيتها، لا تدع شيئا حولها يعيش فى سلام. يتجه “يحيى” و”نورا” إلى قارب فى البحر بعد الفرار من الشقة (الواقع أن “يحيى” لا يترك الساحل إلى البحر، لا يترك الحد، إلا معها). يقدم لنا داود القارب فى بؤرة المشهد.. يحيط به بحر مملوء بمئات الأسماك الميتة. إنها أسماك يصطادها بالديناميت “هاشم” وأمثاله. متعة هؤلاء الأثرياء ليست فى الصيد بمعنى الصبر والتأمل، فقد صبروا طويلا كما يقول “هاشم”، فى معركة الصعود الاجتماعية فيما يبدو. ولكن صبرهم كان صبر التخطيط من أجل فرصة النجاح، لا صبر التأمل. لذا يتم التخلص من هذا الصبر بلا أسف بمجرد أن تنتفى حاجة الصراع إليه. ولكن أيضا ليس الصيد عندهم نوعا من غريزة كارهة للحياة أو رغبة متوحشة فى القتل. ما هى إذن؟ يشرح “هاشم”: إنها متعة التسلى بعد التفجير بجمع أكبر كمية ممكنة من الأسماك الميتة. هى إذن متعة “التراكم”، لذة ابتلاع أقصى ما يمكن من هذا العالم، وهى أيضا لذة تحقيق أرقام المبيعات الكبيرة، منقولة إلى عالم الهواية أو “المرح”، ومتوغلة إلى داخل البحر نفسه، إلى واحد من أعظم كائنات الطبيعة. يبدو إذن أنك حين تتجاوز الحافة، حين تتجاوز الشاطئ، حين تجد حبيبتك وتحاول أن تبنى عالما جديدا، حين تعبران معا إلى البحر، ستجدان نفس الشىء الذى تركتماه على اليابس. إنها الحافة.. الحافة وحدها هى المختلفة.
لا مهرب إذن، ولا إمكانية للتعايش، ولكن لا إمكانية أيضا للصراع.. ليس لأن الهزيمة محتومة، ولكن لأنه لا يوجد أصلا منطق مشترك لإدارة صراع. لم يكن خروج “يحيى” و”نورا” من البيت مأسويا، ولا كان منظرهما على القارب منظر المهزومين. كان تعليق “يحيى” فى المشهد الأخير مجرد سخرية هادئة من هذا النمط من “الصيد”. يبدو “يحيى” و”نورا” هنا وكأنهما يتفرجان على ما يحدث، على قوم غريبى الأطوار، يعيشون حياة لا معنى لها، أو، وفقا لـ”تلك الرسائل”، حياة تفتقر إلى الـ”لا-معنى” الفسيح الذى يعيشان فيه. مثلما “حرمنا” الفيلم من كليشيه نوستالجيا الإسكندرية الكوزموبوليتية، يحرمنا هنا أيضا من كليشيه أفلام الرأسمالية المتوحشة وضحاياها الباكين المستعدين للثأر.. أو الذين يعرض الفيلم “الطليعى” فجيعتهم محرضا لنا على الثأر لهم.
التلقى – 2
تكلمت الآن عن أحد كليشيهات الفيلم الطليعى فى آخر طبعاته، هذا يعنى أننى قمت بتشغيل الماكينة النقدية، ويبدو أننى أتهيأ للفرار من “الرسائل”، بأن أفسرها، بأن أعيد إدماجها فى عالمنا. كنت قد ابتعت تذكرتين ودخلت مع زوجتى لكى أتفرج على فيلم سيكون رائعا بالتأكيد للمخرج العظيم داود عبد السيد. ولكنى لم أكن مستعدا أبدا لما حدث، ألا يوجد فعلا شىء يستحق سوى الحافة؟ وإذا كان الحال كذلك، هل أستسلم “لتلك الرسائل”؟
هناك خط رجعة: ما زال فى إمكانى أن أتهم الفيلم بالعبثية، بالدعوة الساذجة للاستسلام فى مواجهة الظلم، برومانسية ناتجة عن الإحباط، بخيانة “القضية”.. بشىء من إعمال التفكير يمكن مضاعفة هذه اللائحة من الاتهامات.
ولكن هذا هو المستحيل بعينه.. ببساطة لأن هذا النوع من “الدفاع” خيانة ذاتية. ربما كان بإمكانى أن أرد على جميع أنواع “الرسائل”، سواء أتت من هذا العالم أو من العالم الآخر، ولكنى غير مستعد ولا مؤهل للرد على “تلك الرسائل”، تلك “اللا-رسائل”. واقع الأمر أننى أيضا لا أريد أن “أرد”، بل أريد أن أستجيب. لا أستطيع أن أقذف “تلك الرسائل” لأننى سأقذف معها ماورائى، وأفقد معه الحافة، والتى ربما كانت بالنسبة لى الأعمق والأهم. فتحنى داود عبد السيد، ربما مثل كثير من متفرجيه، على حواف حياتى، وضعنى داخل “النداء” وورطنى فى عشقه. لنقل أنه ذكَّرنى به. ولماذا أنا بالذات؟ يبدو أنه فتحنا جميعا.. وإلا فلماذا لم تُستخدم هذه الكليشيهات فى نقد الفيلم؟
بنعومة شديدة برز السؤال: هل “أقفز”؟ هل أجرؤ على أن أقفز؟ هل يمكن أن أترك عالمى، الأرض الثابتة، ولو نسبيا، التى أعيش عليها، ولو “متأتئا”، وأرحل لأقف على حافة حياتى؟ وإذا لم أستطع، إذا لم يكن هذا ممكنا، كيف أتلقى “الرسائل” وأتعايش مع ما اعتدت عليه معا؟ وأصلا، هل يعنى داود ذلك حقا؟ هل هذا “حقيقى”؟
ولكن.. ألم يُرِنا داود أنه لا يوجد خلف الحد سوى الشىء نفسه؟ ألم يقل أننا سنجد فى البحر ما تركناه على الأرض؟ أعادنا هو إذن إلى واقعنا، بعد أن أغنتنا الحافة التى تمتعنا بها على مدى “الفاصل” الطويل بين المشاهد الأولى والمشهد الأخير. حين استوعبت هذا فهمت كيف استطعت أن “أتلقى” بغير أن أقفز. ها أنذا بدأت أفهم كيف يمكن الكتابة عن ما لا يقال. على الأقل فهمت ما يكفى لأن أقتفى أثر داود عبد السيد لأعيد وضع “الرسائل” داخل سياقها، لأحدد الهامش باعتباره هامشا لمتن ما، أو ما قد نسميه المتن. ولكن هذا الاختيار، والتساؤلات التى أدت إليه، لم تكن ممكنة أصلا إلا لأننى تقبلت “تلك الرسائل” ببساطة. يبدو إذن أن هناك طريق لـ”تشغيل الماكينة النقدية” بغير أن أفقد الماوراء.
مثل الرسالة، و”يحيى”، والشاطئ الذى كان يحيى يصطاد منه، يقف الفيلم نفسه على الحافة. تلك الحافة التى اكتشفنا أنها ليست معزولة ولا فى صراع الحياة والموت مع “المتن”، بل هى آخره. الحافة التى يقف عليها الفيلم ليست غريبة عنى.. هى حافة الفيلم الطليعى الذى أعرفه جيدا، أتفهمه وأحبه. الاحتفاء بحياة مختلفة وقيم وتذوق مختلفين هو أحد السمات المميزة للفيلم الطليعى. يستوحى “رسائل البحر” الرؤى التى نجدها فى الأفلام الطليعية لما هو جميل وإنسانى، ويقدمها بسيطة صافية كالبللور وفائقة النعومة. من هذه الناحية كان “رسائل البحر” فيلما طليعيا فائقا.
ولكنه مع ذلك ليس فيلما “طليعيا” حقا، هو فقط يقف على حافة الطليعية avant-gardism وينبثق منها. فهو يخلو من أى مثقف أو عضو بارز من النخبة، ولا يدعو إلى الغضب والانتقام، ولا “يكشف” و”يعرى” الفساد، والأهم أنه لا يشير بأى من الطرق الطليعية المألوفة إلى المستقبل، لا يشير حقا إلى “حياة بديلة” بالمعنى الذى اعتدنا عليه.
ما “ينقص” هنا هو جانب آخر جوهرى فى الفيلم الطليعى. الطليعية هى تمرد على التقاليد بفن تجريبى، باسم حلم ما بالمستقبل، هى ليست تأملا فى الذات أو تحسرا عليها أو احتفاء بها، ولا تعبيرا عن أحلامها بالمعنى الرومانسى، هى قد تستعمل بعض من ذلك ولكن فقط بربطه تماما بتصور ما للمستقبل. الطليعية فى صيغتها الواقعية ناقدة للمجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر، بقدر ما أنه لا يعكس القيم الطليعية، ولكن أيضا بقدر الأمل فى انتصارها القادم.
مع تحولات السبعينيات وما بعدها ازداد شعور الطليعية الواقعية المصرية بالحصار الاجتماعى حولها.. وبدا المستقبل، أساسها الراسخ، مظلما، على الأقل فى المدى المنظور. فى معظم الأحيان كان رد فعل المثقفين الطليعيين، بما فيهم السينمائيين، هيمنة روح المرارة والرفض على أعمالهم، كما أصبح تعبيرهم عن تصوراتهم مباشرا بشكل متزايد، ينحو إلى مزيد مما قد نسميه “الكشف” أو “التعرية”. تتحدى الطليعية المجتمع بنبرة عدائية غاضبة، تتهمه بالابتذال والجهل وروح القطيع.
قد تفيد هنا مقارنة سريعة مع أمثلة لأعمال طليعية بارزة. لنتذكر مواجهات المثقفين مع الأغنياء الجدد فى مسلسل (الراية البيضا) الجميل لأسامة أنور عكاشة. لنتذكر أفلام يوسف شاهين الأخيرة التى شهدت صعود شحنة المرارة والغضب إلى الذروة. بهذا المنطق وجدنا ابن رشد يلقى مستهزئا بنسخة إضافية من كتبه فى المحرقة التى يهلل حولها الجمهور (المصير). ولكن (سكوت حنصور) هو الذى يعبر بأوضح شكل عن الفكرة الجوهرية. فهو يتناول مباشرة الصراع بين الفنانين والنصاب الواسع الحيلة. ينتهى الفيلم بنصر ساحق ونهائى لعبقرية الفن على الجشع والنصب، نصر يتغلغل إلى داخل روح النصاب نفسه فى المشهد الأخير. أصبحت رأس الطليعية ساخنة، تدافع وتهاجم وتطعن بأقصى قسوة، ونشوة، وأحيانا براءة، دفاعا عن الفن والجمال، عن الحب والإنسانية، عن المساواة والعدل. ولكنها بذلك كانت تقترب تدريجيا من روح أعدائها المتعصبة رافعة شعار “النصر أو الشهادة”.
ثم أتت أفلام خالد يوسف لتتجاوز هذه الذروة نفسها لتقفز نحو شعبوية تشهيرية صريحة تداعب روح الانتقام والغضب السائدة فى الأوساط القومية وتحتفى بالعنف المضاد إلى أقصى حد. هنا تقرر “الطليعة” أن “تنزل إلى الشارع” وتجمع الساخطين من أجل المعركة، ليصبح فنها تحريضيا بعد أن كان تعليميا. والفكرة الكامنة هنا هى أن الفن ليس سوى سياسة بوسائل أخرى. جوهر الفن هو “المشروع” السياسى أو الأخلاقى، الذى أصبح لا يرى من حوله إلا الخراب، ولكنه هنا أصبح يكاد يتغنى بهذا الخراب لأنه يأمل بالتحديد فى أن يستنبت شيئا منه هو نفسه. أصبح لدينا “رسائل” تقول أن الناس فى مجملهم أوغاد يحكمهم العنف، أو ضحايا منعدمى القدرة. بالتالى يصبح المَخْرَج الوحيد هو أن نكون أكثر شراسة.. ويصبح الحل المتاح أمام المقهورين أن يشكلوا أيضا ميليشياتهم الخاصة، بغرض الانتقام. الرد على جريمة النظام الحاكم لا يكون إلا جريمة مضادة، سأرتكبها ومعى صك البراءة.. فلأنهم “جعلونى مجرما”، سيكونون مسئولين وحدهم عن انتقامى الرهيب، وسنكون قد اقتربنا من حافة الميلودراما، إن لم نكن فى قلبها.
كانت الرؤية الأداتية للفن عميقة فى الطليعية منذ بدايتها، منذ أن طرحت شعار “الفن للمجتمع”، أو “الرسالة التقدمية للفن”، ولكنها انتهت، مع تحولها إلى تحريض، إلى شبه فصام بين “الأداة” و”المضمون” الذى تحمله. أصبحنا نرى مشاهد جميلة فى سيناريوهات مفككة، ورؤية عامة سوداوية، ولكنها تضم صورا مبدعة تعبر عن فانتازيات ذاتية مقحمة. أصبحت الطليعية إذن على سِكَّة الانحدار، وأصبحت الدراما السينمائية فى حاجة إلى بداية جديدة.
كان نقد الطليعية، فيما يبدو، شاغلا أساسيا لداود عبد السيد، الذى ظل طويلا يغرد خارج السرب. ولكنه فى فيلمه قبل الأخير “مواطن ومخبر وحرامى”، قدَّم النقد الأعمق للطليعية، كشف عن أزمتها المتفاقمة، لا كعدوان آت من الخارج كما قالت الأعمال التى أشرت إليها، بل من خلال العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة: السلطة و”الشعب” والمثقف، والكشف عن تواطؤاتها المتبادلة، بما فيها تواطؤات المثقف الطليعى، كما لاحظ الصديق محمد نعيم فى مناقشة ممتعة معه.
“تلك الرسالة” – 2
“رسائل البحر” يبدو مختلفا تماما. القيم الطليعية هنا منفصلة تماما عن “الطليعة” ذاتها، تتهادى متأملة جمالها الخاص، تتجول فى عالمها وتوسعه. الطليعية تتحول إلى “فكرة مطلقة” وفقا لهيجل، تتراوح داخل ذاتها، تجاوزت الصراع مع “الباطل”، أو مع المجتمع، ولم تعد بحاجة إلى التكشير عن أية أنياب. ليس لأنها “دفنت رأسها فى الرمال”، بل لأنها أصبحت ترى هذه القيم فى ضوء جديد، كقيم تقع على حافة المجتمع، وبالتالى تنتمى بطريقة ما له.. هى ليست غريبة عنه، لأنها ليست سوى آخره هو المتغلغل فى أعماقه، كما سنرى. كانت نهاية الفن كرسالة بالمعنى الطليعى. إمامنا بدلا منها “تلك الرسائل” التى لا تقول شيئا، تقول بأن لا تقول.
فى نهاية الفيلم يجتمع البطلان معا فى بداية طريقهما الجديد هذا، مثلما هو الحال فى الكوميديا بالمعنى الدقيق للكلمة، أى النهاية السعيدة. ولكنها كوميديا إشكالية، لأن هذه النهاية نفسها مفتوحة.. مفتوحة على… على ماذا؟ هذه الحياة المشتركة “تبدأ” – إن كان لكلمة بداية أى معنى هنا – فى قارب صغير وسط المياه، لا نعرف إلى أين سيتجه، ولا “مصير” راكبيه. التوتر الأساسى بين “المجتمع” وما ورائه، بين المعلوم من القيم الاجتماعية بالضرورة وبين الجمال الإنسانى، يظل قائما إذن، حتى وهو يتراجع إلى الخلفية. هذا الجمال لا يُفسده شىء، ولكنه مع ذلك مؤقت أيضا. لقاء “يحيى” و”نورا” هو بمعنى ما عبور للحافة، للبحر الذى تبين أنه ينتمى هو نفسه للمجتمع.. ما وراء المجتمع هو أيضا المجتمع.. فقط لا غير.
ليس هناك خارج إذن. وما دام ليس هناك خارج، لن تكون الحافة فاصلة بين عالمين، لن يكون لها موضع سوى فينا نحن، فى عالمنا نفسه، أو ما سميناه تجاوزا “المتن”. الحافة كالثورة، حين نجتازها لا نعود كما كنا، ولكن هذا لا يعنى أن العالم قد أصبح عالما جديدا تماما، يوتوبيا. سوف نجتاز الثورة ونذوقها، ولكننا بعد ذلك سنجد ميراث عالمنا ينتظرنا. لا نحن كائنات جديدة تماما ولا نحن فى عالم جديد تماما. ولكن ما دامت الحافة فينا نحن.. وما دامت قد انبثقت فى مجتمعنا، لا بد أننا سنحييها بعد هذه الرحلة بشكل ما. لذلك ليس ثمة “حل”، لأنه لا توجد ضرورة للبحث عن “حل” بالمعنى الطليعى. أصلا الأزمة لا تأخذ برقاب الأبطال. بالعكس، نخرج من الفيلم سعداء، نكاد نكون موقنين أنهم بطريقة ما سيعيشون وسيسعدون، وأن حياتهم المقبلة الصعبة ستكون، أيا كان مصيرها، جميلة، فقد أغناها الحد بعدما استكملت تخطيه، ولكنها لم تتركه خلف ظهرها.
للوهلة الأولى بدا لى وكأن الطليعية تعلن عن نفسها هنا كشتات، كحياة لها إيقاعها الخاص، قابلة بمصيرها “الجيتوى” لأنه أفضل كثيرا من العودة إلى قيم “النُصُب التذكارى”، كسلب يتغنى بذاته. ولكن، مرة أخرى، هذا التفسير ينسى أهم شىء، ينسى “الحافة”، ينسى “لا-رسالية” الرسائل. الفيلم يقول فى نفس الوقت، وبنفس الطريقة، وبنفس المشاهد، العكس تماما. يطرح وجودنا الاجتماعى للتساؤل، ويفعل ذلك من خلال ما يبدو من “سلبيته” هذه بالذات، عبر “لا بطولة” أبطاله، بسبب، بل بواقع، لا-رساليته. تخوض “تلك الرسائل” الصراع فقط بأن تعرض نفسها على المشاهد، بأن تبنى عالمها الساحر هذا، ليس باعتباره حلما لذيذا وكفى، أو كعالم يقع خارجنا، بل باعتباره منَّا وإلينا. قوة هذا الفيلم الدرامية تكمن فى أن “رسائله” هى محض حضوره، محض الغِنى الذى يملأ زمن عرضه، الذى هو نمط من حضورنا الخاص قد نكون قد نسيناه أو تناسيناه.
بمجرد التراوح داخل هذا العالم، داخل “تلك الرسالة”، يحرك الفيلم فينا شيئا، ويكون مع انتهاء عرضه قد قال “كلمته” التى لا تقال. هى “كلمة” لا تشير إلى شىء معين، ولكن ليس لأنها فارغة أو سلبية، بل لأنها ليست سوى آخَرنا نحن أنفسنا، حافتنا. ليس الآخر هنا هو المختلف، العدو، ولا هو عالم آخر جميل وغريب، فانتازيا أو يوتوبيا، ولكنه آخَرنا، ذلك الجزء منا، تأتآتنا التى نخاف منها فنقهرها، ثم يعذبنا انتصارنا عليها. نخرج من قاعة السينما وقد تركت فينا “الرسائل” أثرها، لنظل نستمتع بهذا التراوح، بهذه المويجات وقد تغلغلت داخلنا، بجمالها الذى لا يُفسده شىء.
جماليات الفيلم تتحدى، بنعومة وببساطة، وبمجرد تدفقها الهادئ المنسجم، الجماليات والأخلاق السائدة. ولكن ليس من موقع أو وجهة نظر كائن غريب عنا، أو إنسان من نوع خاص، مثل المثقف الطليعى أو البطل الخارق، ولا هى تستعرض نفسها كعالم آخر بديل يدعونا إليه، بل تتحدانا من داخلنا. من هذه الناحية يمكن أن نفهم أن الفيلم يشكل بنعومته بالذات، بلا-رساليته، تحديا عميقا للعالم المرتب سلفا كالسلع على الرفوف، لأنه عالم لا يحب كشف “التأتآت” المتراكمة خلف صرح النجاح العظيم والكئيب. بالذات آخر ما يجوز فيه هو أن تصبح “التأتأة”، هذه التأتأة الآتية أصلا من داخلنا ومن عالمنا، تلك التأتأة السرية، بطلا.
بوقوفها على الحافة، على شاطئ حياتنا، تحطم “تلك الرسائل” الفاصل المبنى فينا، تذيبه بقدر ما كانت كما قلت منا وإلينا. لم تفقد “الرسائل” أبدا حس الواقع، فقد أتى “يحيى” من بين “صفوفنا”، وهو يحمل بقوة كل “البصمات الوراثية” المألوفة للطبقة الوسطى المصرية، ولكنه غاص فى الحدّ، وعثر عليه متوطنا فى آخرين، انجذبوا له. لأن “يحيى” لم يكن “بطلا” ولا كان ينتمى إلى طليعة متميزة، فإنه لا يقدم نموذجا بطوليا يكون علينا أن ننبهر به ونحاول أن نقلده، ولا يمسنا عن طريق زجرنا، عن طريق تذكيرنا بـ”أنا عليا” “يجب” أن “تسمو” بنا فوق الواقع لـ”نُخلص” لشىء ما، يمنح حياتنا معنى تفتقر إليه.
ولأن “رسائل البحر” ليست سوى الحافة أو المسام التى تتخللنا وتتخلل عالمنا، فإن الحياة التى يقدمها، تلك التى تتراوح داخل ذاتها، مكانها على الحواف القلقة لـ”الآلة” الاجتماعية الجبارة والنَهِمة، نعم، ولكن ليس خارجها بأى حال. العالم المحيط بنا ليس سرابا ولا خطأ يصححه الفيلم. إنه العالم الذى ربانا أصلا، ودفعتنا تناقضاته أحيانا إلى الحافة، وهو الذى يتيح لنا، ونحن فى ذورة تمردنا، السوق الذى نبيع فيه السمك الذى نصطاده، ولو بالسنارة. هو الذى بنى مأوانا، أيا كان، ولو كان قاربا فى البحر. والحافة الجميلة، الرقيقة، الرائعة، ليست إلا حافته هو. وضع داود حياتنا الاجتماعية بين قوسين، ولكنه لم يلغها، ولم يكن أيضا قاسيا معها.
بالعكس، “رسائل البحر” يقدِّر تماما منطق وقوة ما هو سائد، بما فى ذلك مزاياه، بما فى ذلك الصراع الذى خاضه “يحيى” مع نفسه ليسعى لأن يرتبط بـ”المومس” التى التقطته من الشارع، أو منحته شرف التقاطها. ولهذا السبب بالذات لا تدعنا الحياة معه، ولو لساعتين فى السينما، نحيا فى ذلك “السلام” الثقيل الوطأة الذى تكيفنا معه. أيتها “الرسائل”، أنتِ الخيانة بعينها، أنتِ “جريمة كاملة”. ولكنها “خيانة” تعتمد بالذات على يقينها بأن هناك “طابورا خامسا” موجودا بداخلنا بالفعل، يحتاج فقط إلى ما يوقظه ويذكِّره بنفسه.
فرضية الفيلم إذن فى جوهرها أفلاطونية.. فـ”المعرفة” التى تصيبنا، وقد تجرحنا، من الفرجة على العالم الذى هو على حافتنا، هى نوع من “التذكُّر”، هى تذكير لنا بما نعرفه، بما عرفناه دائما، بما سيظل يخايلنا ولا يفارقنا أبدا إلى غير رجعة طالما لم يكتمل تماما “نضجنا” فى الفرن الاجتماعى. يبدو الأمر وكأننا نعرف أصلا ومن زمن سحيق كل ما قالته لنا “تلك الرسائل”، ولكنه كان فقط غائما، مهزوزا، معتما، قابعا فى زوايا النسيان أو بالأدق زوايا التناسى.. زوايا تظل دائما جزءا أصيلا منا، وهى بمعنى ما “نحن أنفسنا”.
التلقى – 3
أعود بعد هذه الجولة إلى سؤال طرحته فى البداية، أصبح الآن “قديما”. هل أستطيع أن أقفز؟ وهل حقا تدعونا “الرسائل” لأن نقفز؟ يبدو أنه لا، ليس تماما. كانت الحافة التى أشبعتنا إغراء وجذبا قد ملأتنى. واشتد حنينى للقفز إليها، فيها. فى البداية ولمدة طويلة، فى عدة مسودات لهذا المقال، كنت منزعجا بشدة من المشهد الأخير، مشهد القارب الساطع وسط الأسماك الميتة. شعرت وكأن المشهد عودة لروح الفيلم الطليعى.. وكأنه يجدد “إدانة المجتمع” فى مقابل الصفاء والجمال المحيطين بـ”يحيى” و”نورا”. كأن داود عبد السيد تراجع فى اللحظة الأخيرة وقرر أن يعطى “اللا-رسائل” معنى.. أن يضع رأيه الخاص واضحا عن طريق الكاميرا.
لماذا خرجت بهذا الانطباع؟ لأننى أحببت الحد حتى ابتلعنى. كان لى نوعا من اليوتوبيا. ببساطة سقطت مسحورا فى عالم “الرسائل” عالم الحافة البالغ الجمال. كنت قد تكلمت كثيرا عن “الحد” وأنه داخل العالم.. ولكنى لم أواصل الفكرة إلى نهايتها. لم أكن أريد أن ينتهى النداء الذى تهادى بين رحلة القطار والخروج من شقة الإسكندرية، بل أردت حلما يتواصل إلى نهاية الفيلم. بدا لى أن الكتابة نفسها غير ممكنة، فهى لا تنتمى للحد. لم أكن أريد تذكر الحقيقة القاسية.. أنه ليس حقا سوى حد حياتنا، سوى جزء من عالمنا، وليس عالما بديلا.
تصالحت إذن فى النهاية مع المشهد الأخير. إذا كان هذا العالم الآخر هو بالتحديد حافة هذا العالم، تصبح المسألة أى شىء سوى القفز، تصبح مراوحة بين المجتمع وحافته، وقد تصبح “عودة” إلى المجتمع. نعم تحيط بنا أسماك ميتة، وماء البحر معتم، تماما كما يحدث لنا على اليابس، ولكننا لسنا ونحن معا فى البحر كما كنا فى القطار متجهين إلى الإسكندرية، وحيدين، فقد اغتنينا بالحد وعالمه.
ليس هناك خلاص إذن، بل حياة، نعيشها وقد اغتنينا بالحد. بعد ذلك أدركت أنه بهذا فقط، بـ”العودة” يمكن أن يكون فيلم داود عبد السيد متسقا، بل هذا هو شرط إمكانه أصلا. العودة وحدها هى التى تسمح بتقديم هذا “النداء”، هذه التلقائية، هذا “اللا-محتوى”، فى عمل متقن فى كل تفاصيله، صارم فى بنائه، مصاغ بمهارة عليا. وبغيرها لا أستطيع أن أفهم كيف يكلمنا “يحيى” عن الاستماع إلى الموسيقى الحية فى فيلم اختار فيه داود عبد السيد بكل دقة وعناية الموسيقى التى استمعنا إليها فى الفيلم. على الجانب الآخر من الحد، وفقط عنده، يمكن الجمع بين نداء التلقائية، نداء الحد اللامحدد واللامحدود، وصرامة الفن الشغوف بالكمال. بين نداء التأتأة والفن الذى يعلنه عاليا صافيا، بلا “تأتأة”. لا يعود هناك تناقض فقط حين نشفى من إغراء اليوتوبيا، حين نتصالح مع أن النداء والعالم ليس خارج بعضهما البعض. هذا الفيلم العظيم بمجمله لا يمكن أن يكون موجودا إلا من منظور اللحظة التى نعبر فيها الحد إلى العالم مرة أخرى، لنتموضع فيه بعد التجربة.
بهذا المعنى قدَّم داود عبد السيد إذن شيئا يتجاوز التناقض بين عالمنا ونداء الحرية المتأصل فيه. بهذا بالذات تجاوز “رسائل البحر” الفكرة الطليعية نفسها، الفكرة القائمة على تصور عالمين، أحدهما نعانى منه الآن، والآخر يقع فى المستقبل، يتجاوزها فى بنية عمله نفسه. الرؤية التى قدمها داود تتجاوز كثيرا من الثنائيات، منها ثنائيات “الحلم” و”الواقع”، “الشجاعة” و”الجُبن”، “القوة” و”الضعف”، “الطليعة” و”الجمهور”.. مجمل ثنائيات الطليعية. فتح داود أفقا لمصالحات كبرى، منها مصالحتى المتواضعة مع نفسى، وأتاح لى طريقا أستطيع من خلاله أن أكتب كتابة تتدبر نفسها وتُراجِعها عن التلقائية، عن “اللا-رسالة”. أكتب عن برزخ نُنصت منه لصوت “تلك الرسائل”، إن جاز التعبير، لا باعتبارها عالما منفصلا، بل باعتبارها داخلنا.
بهذه الرؤية أستطيع أن أقول أن “الرسائل” كان بالنسبة لى مساهمة أصيلة، حاورتنى فيما شغلنى طويلا. كان نقد الطليعية شاغلا أساسيا لى ولكثيرين. وقفتُ طويلا عند هذه النقطة.. أفكر فى أننى أعلم جيدا أن زمن الطليعية قد ولَّى، أعلم ما لا يمكن قبوله فى الطليعية، ولماذا لا يمكن قبوله. ولكنى لا أعلم سوى خطوط عريضة عما يمكن إحلاله محلها. يبدو لى الآن أن تلك الطريقة فى التفكير هى نفسها طليعية، تنتمى إلى القفص الذى عشنا فيه طويلا، قفص الخلاص.
رسائل البحر” لا يكرر نقد الطليعية، لا يقدم تنويعة جديدة عليه، لا يقفز بنا إلى مستقبل آخر، بل يعيد صياغة قيمها، واقفا على الحافة الفاصلة- الواصلة بين الفيلم الطليعى والدراما الكلاسيكية التى تطرح أسئلة الوجود الكبرى عن الحياة والمجتمع والعالم، باعتباره عالمنا، لا ذلك الوجود الغريب عنا الذى نرفضه. رد داود عبد السيد إذن قيم الطليعة من غربتها، خلصها من طليعيتها. بذلك، وفقط من خلال ذلك، قدم إجابته على سؤال القلق الأكبر: ماذا بعد؟
خرجت من الفيلم وقد بدا لى فى البداية أن “الرسائل” وضع بشكل حاسم بداية طريق “يتجاوز” الطليعية”. ولكن بعد التأمل الطويل بدا لى أنه ليست هناك قفزة أصلا، اللهم سوى القفزة المتمثلة فى التخلى عن القفز. الفكرة كلها هنا.. ما تبحث عنه هو أصلا موجود، لأنه ليس سوى التراوح على حافة وجودك. نحن لسنا خارج العالم، ولا نحن الطليعة المحتجة باسم “عالم جديد”. نحن جزء لا يتجزأ من هذا العالم، ومشكلتنا ليست مستقبلية، بل حالية، فى صميم جدل هذا العالم نفسه.
قد يكون الخلاص جميلا، ولكنه جمال مثالى، جمال يثير ويحرض بقدر ما يوسع المسافة بين الواقع والإمكان، وقد يدفعنا إلى الكراهية أو التعالى، جمال يحبسنا فى قفصه الذهبى (وإن كان لونه قد أصبح حائلا الآن). أما “رسائل البحر”، فى زجاجتها الشفافة التى لا نطل من خلالها سوى على عالمنا نفسه، فتحرمنا من هذا الحل، أو الحلم. ولكنها فى نفس الوقت تدعونا إلى الإنصات إلى إيقاع عالمنا وتوتراته العميقة، وإلى إعادة الإنصات إلى أنفسنا داخله. أخرجتنا “الرسائل” من عنق الزجاجة الطليعية التى ورثناها وانحشرنا فيها عقودا، جعلتنا نفتح الزجاجة لنعرف أنها لا تقدم أية “وصفة”، لأن ما فيها ليس سوى نحن أنفسنا، وما تشير إليه ليس سوى عالمنا هذا نفسه. على الحافة بين الهنا والهناك، عند جدلهما اللانهائى، ينتهى الفيلم. إنها البقعة التى عندها يولد كل شىء، ويموت، ويتجدد، ويُبعث.




الاستاذ شريف يونس
شكرا جزيلا على مشاركتنا في هذا التأمل الانساني (الفني) العميق …
الذي اراه أكثر من مدهش..
تحياتي لك ولانسانيتك العميقه والتي تجاوزت كل “خلاص” موصوف وذهبت الى الجدليه الابديه بين الانسان والحريه،و ما بين واقعيتها ويوتوبيتها
جمیل جدا جدا یا شریف..