width text-align:right; text-align:right;

ديسمبر٢٠١٠

الحركة الديمقراطية الصاعدة والوطنية المصرية – إعادة بناء مفهوم الجماعة الوطنية بعيداً عن بيشوي والعوا ومتعصبي الكرة

سامر سليمان

الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر” الشاعر الفلسطيني محمود درويش”

لقطة 1: أحد قيادات الكنيسة، الأنبا بيشوي، يرد على مطالبات البعض بإشراف الدولة على الكنيسة في شهر سبتمبر الماضي بما معناه أننا قد أكرمنا الضيوف الذين دخلوا مصر (العرب المسلمون) فهل علينا أيضاً أن نترك لهم الكنائس لكي يديروها! أسمعتم؟ الأنبا يقول أن المسلمين في مصر والدولة أيضاً هم ضيوف على أهل البلد الأصليين.. الأقباط. والدكتور سليم العوا يقول في أحد القنوات التلفزيونية ما معناه أنه قبل “فتح” مصر كانت كنائسهم خربة ومغلقة. احنا اللي نضفناها لهم ورجعناها لهم. هذا ما قاله العوا والسؤال هو: احنا هنا تعود على من؟ تعود بالطبع على الفاتحين. أسمعتم؟ الدكتور العوا يتحدث كفاتح لمصر وليس كسليل للمصريين الذين دخلوا في الإسلام.

هذه التراشقات الأخيرة هل تضعها الحركة الديمقراطية على بند الحماقة التي لابد من إدانتها وإسكاتها لكي نتفرغ لأشياء أهم. أم يجب النظر إليها باعتبارها تعبر عن مشكلة حقيقية في تعريف الجماعة الوطنية، أي في تعريف من هو مصري ومن هو ليس كذلك.

 

لقطة 2: عشرات المذيعين ومئات الكتاب والصحفيين وآلاف بل مئات الآلاف من المصريين منخرطين في تراشقات مع الجزائر والجزائريين بسبب مباراة كرة قدم. هذه التراشقات كانت تصب في سؤال واحد غبي.. من أفضل؟ مصر أم الجزائر ومن أحسن: المصريين أم الجزائريين؟

هذه المهاترات.. هل نضعها على بند البلاهة الكروية التي تصيب الناس أحياناً الهلوسة أم نأخذها بجدية على أنها تعبر عن العجز في تحديد علاقة صحية بين الجماعة الوطنية المصرية وغيرها من الجماعات؟

كاتب هذه السطور يعتقد أن مفهوم الجماعة الوطنية الذي صاغته ثورة 1919 قد أصابه التآكل لأسباب كثيرة (أنظر إلى مقالنا السابق في البوصلة: الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة الطائفية). كما يعتقد أن الطرف الأساسي الملقى على عاتقه إعادة صياغة مفهوم الجماعة الوطنية هو التيار الديمقراطي البازغ. فلا ديمقراطية مصرية بدون توافق حول مفهوم الجماعة الوطنية. ولا ديمقراطية بدون إقامة علاقات صحية منفتحة وبناءة بين هذه الجماعة الوطنية المصرية وبقية الجماعات الوطنية في العالم.

 

ما هي القضية الوطنية وما علاقتها بالديمقراطية؟

الديمقراطية هي طريقة عمل للنظام سياسي، هي ليست فقط فكرة أو قيمة نحملها في عقولنا وقلوبنا. والنظام السياسي لابد أن يكون له عنوان، له موقع على الأرض. ومن هنا فإن الديمقراطية لابد وأن يكون لها عنوان. الديمقراطية الفرنسية مثلاً لها موقع هو المجتمع الفرنسي أو الأمة الفرنسية. وهذه الأمة من المفترض أن تضم كل من يحمل بطاقة هوية فرنسية وألا تضم من لا يحمل هذه البطاقة. بالمثل الديمقراطية المصرية لكي تنشأ وتستمر لابد لها وأن تقوم على مجتمع محدد وهم المصريين الذين لهم الحق في تقرير مصير البلاد. الآلية الأهم في الديمقراطية هي التصويت فيما يخص تقرير السياسات. فإذا لم نتفق على هوية من له حق التصويت، فكيف للديمقراطية أن تقوم وتستقر؟

 

أولاً: من هو المصري كامل الأهلية؟

الديمقراطية إذن هي ديمقراطية المصريين. فمن هم المصريين؟ هل هم من يحملون بطاقة هوية مصرية، أم من يعيشون في مصر بشكل متصل. المسألة ليست نظرية. المشكلة الآن أن هناك حوالي 7 مليون ممن يحملوا بطاقة هوية مصرية يعيشون في الخارج. معظمهم له ارتباط ثقافي وعائلي شديد بمصر. لكن بعضهم جيل ثاني لمهاجرين مصريين لا يتكلم العربية أو المصرية إلا قليلاً أو لا يتكلمها على الإطلاق. فمن هو المصري الذي يحق له تقرير مصير مصر؟ القضية لا تتعلق فقط بالتصويت. فالديمقراطية لا تقوم فقط على التصويت، وإنما على النقاش الحر في شئون البلاد والمساهمة في تقرير مصيرها. فمن هو المصري الذي يحق له الدخول في النقاش العام وطرح رأيه فيه؟ للأسف قضية المصريين المهاجرين تُطرح غالباً من منظور طائفي، من مدخل “أقباط المهجر”. فهناك جماعات من المهاجرين المصريين المسيحيين (يطلق عليهم أحيانا “أقباط المهجر”) الذين يدلون بدلوهم في مسألة علاقة الدولة المصرية بالدين وفي أحوال المسيحيين بها. وهناك خلاف حاد بين الجماعة السياسية المصرية حول أحقية هؤلاء في المشاركة السياسية بين من يراهم مصريين بالكامل (“مصر ليست وطناً نعيش فيه ولكن وطناً يعيش فينا”) ومن يراهم أجانب أو خونة لا يحق لهم المشاركة، وبين من ليس له موقف واضح من المسألة. لكن هذا التركيز على المسيحيين من المهاجرين المصريين لا يجب أن يحجب أن المسألة أكبر من ذلك. السؤال ينطبق على “مسلمي المهجر” كما ينطبق على “أقباط المهجر”. فإلى أي مدى يحق لشخص – يسمى مثلا محمد حسن يبلغ من العمر عشرون عاماً يعيش في أمريكا ويحمل جنسيتها بالإضافة إلى الجنسية المصرية ولا يتكلم العربية إلا قليلاً – أن يشارك في تقرير مستقبل مصر السياسي؟ القضية بدأت تُطرح مؤخراً بعد تحركات  المصريين المهاجرين من أجل الحصول على حق التصويت. وهذا الموضوع يستحق أن نفرد له مقالة مستقلة. ما يهمني هنا توضيحه هو حقيقة أن القضية الوطنية المصرية ليست قضية محسومة، بما أن المكونات الأساسية للأمة المصرية التي هي الوعاء لقيام النظام الديمقراطي غير متوافق عليها حتى هذه اللحظة.

نعم "مصر ليست وطنا نعيش فيه ولكن وطنا يعيش فينا" ولكن إلى أي مدى يمكن للمصريين المهاجرين المشاركة السياسية؟

مشكلة تحديد مكونات الأمة المصرية لا تنحصر في المصريين المهاجرين. فحتى بالنسبة للمصريين الذين يعيشون بشكل متصل على أرض مصر هناك خلاف حول أحقية بعضهم في المشاركة السياسية بل في الوجود المدني من أصله. البهائيون في مصر مثلاً – حتى بعد حصولهم على الحكم القضائي بأحقيتهم في استخراج بطاقات شخصية تضع شرطة أمام خانة الديانة – لا يزال العديد منهم غير قادر على استخراج بطاقة. وعندما يصل الأمر إلى حرمان المواطن من الحصول على بطاقة هوية فإنه هنا يكون قد تم طرده من الجماعة الوطنية المصرية بالكامل.

الأمر الذي ينطبق على البهائيين يسير بنفس المنطق على غير المسلمين عموماً خاصة هؤلاء الذين لا دين محدد لهم، مثل الملحدين أو الإنسانيين أو الاأدريين وغيرهم. ليس هناك إحصائيات بعدد هؤلاء، لكن انطباعي الشخصي هو أنهم يصلون إلى عدة مئات من الآلاف. نعم هم أقلية، لكن ذلك لا يقلل كثيراً من المشكلة التي ستنشأ لو قرر بعض هؤلاء محاولة تغيير خانة الدين في بطاقتهم من الإسلام والمسيحية لكي تتطابق مع وضعهم الديني الحقيقي كما فعل البهائيون.

مشكلة المسيحيين في مصر بالطبع أقل وطأة من البهائيين والإنسانيين وخلافه. فهؤلاء ديانتهم معترف بوجودها، وبالتالي يمكن تسجيلها في البطاقة الشخصية. باستثناء أقلية تُخون المسيحيين وتريد تصفية مصر منهم بشكل تام، هناك اعتراف واسع بكونهم جزء من الجماعة الوطنية المصرية. إلا أن موقعهم داخل هذه الجماعة ليس محل اتفاق. هناك قطاعات مهمة من المسلمين، من الكتاب والإعلاميين ورجال الدين، وعلى رأسهم الجماعات الدينية مثل الإخوان المسلمين، لا تريد لهم الانتماء الكامل للجماعة الوطنية ومن ثم المشاركة السياسية على قدم المساواة مع المسلمين. فمثلاً مشروع الإخوان المسلمين بحرمان غير المسلمين من حق الترشح للرئاسة هو أساساً رمز لوضعيتهم غير المكتملة في الجماعة الوطنية. فالإخوان بالطبع ليس لديهم أي مخاوف من ترشح مسيحي لمنصب الرئاسة وفوزه بها. فهذا مستبعد حتى على المسلمين باستثناء مسلم واحد هو الرئيس مبارك نفسه وفيما بعد مرشح المجموعة الحاكمة الذي سيكون مسلماً بالطبع. ما الموضوع إذن؟ ولماذا يصر الإخوان على اتخاذ موقف من ترشح مسيحي للرئاسة؟ الحقيقة أن القضية رمزية. حرمان غير المسلم من الترشح للرئاسة هي تسجيل أن هناك مسائل لا يحق لغير المسلم أن يدعى أنه يقف فيها على قدم المساواة مع المسلم.

مشكلة تحديد مكونات الجماعة الوطنية المصرية لا تقتصر على الأقليات، وإنما تمتد أيضاً إلى موضوع النساء اللاتى تشكلن حوالي 50% من السكان. ليس هناك بالطبع من يريد إخراجهن من الجماعة الوطنية. لكن هناك من لا يريد لهن أن يكون لهن فيها مكانة مساوية لمكانة الرجال. فالإخوان مثلاً لا يريدون لهن الحق في الترشح للرئاسة. نفس ما قيل في موضوع المسيحيين ينطبق على المرأة. ليس هناك امرأة في المدى المنظور قادرة على انتزاع منصب الرئاسة. المسألة هنا رمزية. هي تذكير للنساء أن موقعهن الأساسي والأهم هو المجال الخاص أي المنزل. وطالما هن ضيوف على المجال العام – الذي هو الفضاء الأساسي للممارسة السياسة – فبالتالي هن لسن عضوات كاملات العضوية في الجماعة الوطنية السياسية المصرية.

 

ثانياً ماذا عن غير المصري وعلاقة المصري به؟

الديمقراطية لا تتحقق إلا وسط جماعة من الناس أبعادها معرفة وعلاقاتها بالجماعات الأخرى لها حدود وضفاف. الديمقراطية في انتخابات النادي الأهلي تعني منح الترشح والتصويت والمشاركة لكل أهلاوي عضو في النادي وفقط. وهكذا ليس للزملكاوي أن يشارك في هذه الانتخابات. بالمثل الديمقراطية المصرية تعني حق تقرير مستقبل البلاد للمصريين وفقط. لذلك لم يكن من الغريب أن تثير تصريحات المرشد السابق للإخوان المسلمين (“طز في مصر”) عن إمكانية تفضيله لماليزي على مصري لمنصب الرئاسة استهجان العديد من السياسيين والكتاب والمثقفين. فلو كان للماليزي حق المشاركة في تقرير مصير مصر، نكون بذلك قد نسفنا فكرة الجماعة الوطنية نفسها وليس فقط الديمقراطية. لأن كل جماعة وطنية لابد أن يكون لها خريطة تحدد من هم بداخلها ومن هم خارجها.

هكذا كان النضال الديمقراطي والدستوري في مصر في العهد الملكي مرتبطاً بشكل وثيق بالنضال الوطني. فالقرار السياسي المصري في العهد الملكي كان يتدخل فيه غير المصريين، خاصة الاحتلال البريطاني. اليوم لم تعد مصر بالطبع محتلة. لكن انتفاء الاحتلال لا يحل بالكامل القضية الوطنية. لأن الاحتلال ليس الشكل الوحيد للتدخل الأجنبي في شئون البلاد. هناك قوى خارجية متهمة بالتدخل في الأوضاع السياسية الداخلية على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض البلاد العربية على رأسها بالطبع السعودية.

استقلال الجماعة الوطنية لا يعني انتفاء العلاقة مع الخارج. فالوضع السياسي في أي بلد يتأثر بقوى وتفاعلات من خارجه حتى في حالة الدول العظمي كالولايات المتحدة. فعملية 11 سبتمبر الإجرامية ضد برجي التجارة في نيويورك كان لها تأثير مدوي على السياسة الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة. والأمريكيون من أصول أجنبية يتكئون أحياناً على جماعات وقوى من خارج الولايات المتحدة لدعم مشروعاتهم السياسية داخل الولايات المتحدة. ممكن أن نذكر هنا على سبيل المثال بعض الأمريكيين العرب المرتبطين بقوى عربية وبعض الأمريكيين اليهود المرتبطين بقوى داخل إسرائيل. الأمر ينطبق ربما بشكل أكبر على حالة البلاد الأقل تقدماً كمصر. فالولايات المتحدة مارست وتمارس نفوذاً على مصر من خلال المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها للنظام الحاكم. والمملكة العربية السعودية تمارس تأثيراً من خلال الدعم المادي والفكري الذي قدمته للتيارات السلفية في مصر ومنها جماعة الإخوان خاصة إبان الصراع بين النظامين المصري والسعودي في العهد الناصري.

يمكن القول بأن كل القوى السياسية في مصر لها ارتباطات فكرية ومصلحية وأحياناً مادية بينها وبين الخارج، من أول النظام الحاكم ومروراً بالإخوان المسلمين والناصريين ووصولاً إلى الليبراليين واليسار. وهذه الارتباطات بجماعات ومصالح في الخارج يعدها الخصوم نقطة ضعف يمكن من خلالها ضربها. فهناك اتهامات من نظام الحكم، أو على الأقل من بعض أطرافه، ومن الإسلاميين لليبراليين ولليسار بالتبعية للغرب أو لقوى فيه. وهناك اتهامات ليبرالية ويسارية للإسلاميين بالتبعية الفكرية وأحيانا السياسية والمالية للوهابيين. وهناك اتهامات ليبرالية للناصريين بالتبعية لبعض القوى والنظم العربية مثل العراق في عهد صدام والآن سوريا وحزب الله. وهناك اتهامات من نظام الحكم للشيعة المصريين بالتبعية والعمالة لإيران. وهناك اتهامات من بعض الإسلاميين للأقباط أو لبعضهم بالعمالة والتبعية للغرب. وهلم جرا. الكل يكاد يتهم الكل بالتبعية وأحياناً العمالة. ولكن ربما تكون أفدح الاتهامات بالقابلية للعمالة والتبعية هو اتهام نظام الحكم نفسه للشعب المصري. فالمبرر الأساسي الذي يدافع به نظام الحكم عن عدم فتح الحق في الترشح للرئاسة لكل المصريين هو أن هناك قوى خارجية يمكن أن تفرض رئيساً عميلاً لها عن طريق الإنفاق على حملته الانتخابية وشراء الأصوات.

لا يمكن لديمقراطية أن تقوم في بلد يكاد الكل يتهم الكل بالعمالة والتبعية ويكون من متطلبات العمل السياسي فيه إثبات عدم العمالة والتبعية. الديمقراطية تتطلب بادئ ذي بدء الاتفاق على أن كل أو معظم القوى السياسية المصرية لها تحالفات وارتباطات خارجية. وهذا شيء طبيعي في ضوء أننا نعيش في عالم واحد وفي ضوء ثورة الاتصالات التي سهلت من التواصل بين التيارات السياسية ونظرائها في بلاد أخرى. ما نحتاجه هو توافق وطني على القواعد الحاكمة لتلك التحالفات وحدودها انطلاقاً من حق كل قوى سياسية مصرية في أن يكون لها علاقات خارجية على ألا تصل هذه العلاقات إلى التبعية والعمالة. ما نحتاج إليه هو الاقتصاد الشديد في تهم العمالة التي تلقى جزافاً والبدء فوراً في حوار جدي عن قواعد وشروط التواصل بين القوى السياسية المصرية والأطراف الخارجية.

الديمقراطية المصرية لابد وأن تبنى داخل الحدود المصرية ووسط الجماعة الوطنية المصرية. لذلك من يدعو إلى إزالة الحدود بين مصر ودول أخرى فهو هنا يهدم من الأساس فكرة الديمقراطية المصرية. وهو هنا إما عدو للديمقراطية أو غير معني بها أصلاً، أو أنه معني بديمقراطية تتجاوز الإطار الوطني، وفي هذه الحالة مطلوب منه أن يشرح لنا كيف يمكن قيام ديمقراطية عالمية أو عربية بدون العمل بادئ ذي بدء على مقرطة الدول القائمة بالفعل. بالمثل الديمقراطية الفلسطينية يجب أن تقوم على الجماعة الوطنية الفلسطينية وعلى تحديد واضح لها. ما قيل ويقال أحياناً عن أن فلسطين لا تخص الفلسطينيين فقط هو حق يراد به باطل. بالطبع هناك الملايين في العالم من المتعاطفين مع القضية الفلسطينية وبعضهم من الداعمين لها. لكن هؤلاء ليس لهم حق التصويت على مصير القضية الفلسطينية. هم فقط لهم الحق في النصح ودعم خيارات الأغلبية الفلسطينية أو الأقلية هناك أو الامتناع عن دعم الخيارات إذا كانت تعارض قيمهم أو مبادئهم. لكن في كل الأحوال مصير الوطن الفلسطيني هو ملك الجماعة الوطنية هناك، التي هي الأخرى تحتاج إلى توافق حول مكوناتها.

تحديد الجماعة الوطنية المصرية يتطلب إبراز الفواصل والحدود بين هذه الجماعة وجماعات بشرية أخرى، يتطلب وعي الجماعة الوطنية بأنها مختلفة عن غيرها. هذا الوعي يمكن أن ينشأ بشكل عقلاني بواسطة تفهم حقيقة الدولة الحديثة، أي أن الجماعة السياسية الأهم في العالم اليوم هي الجماعات التي تتشكل داخل دول وطنية، مثل الجماعة الوطنية الأمريكية والفرنسية، الخ. لكن الموضوع فيه إيديولوجيا ومشاعر كما فيه من العقلانية. بعبارة أخرى، التميز الذي تعبر به جماعة سياسية وطنية عن اختلافها عن شعوب وجماعات أخرى يدخل فيه كثيراً اعتبارات إيديولوجية وثقافية ونفسية. وهذا ما يفتح المجال للتعصب الوطني وأحياناً العنصرية. فمن المنطقي والمشروع أن تشعر الأمة الألمانية بالاختلاف عن أمم أخرى. لكن المشكلة تظهر حين يتحول هذا الاختلاف إلى تراتبية تجعل من الأمة الألمانية أفضل من الأمم الأخرى، وحين تتفاقم المشكلة لكي تصل إلى إيمان ألماني بالتفوق العنصري على الشعوب الأخرى، كما حدث في عهد هتلر.

الهجوم "الوطني" على السفارة الجزائرية بعد ماتش الكرة اياه

من هنا فإن الظاهرة الوطنية هي ظاهرة مزدوجة ومركبة، تحمل في باطنها أشياء تقدمية نافعة، كما تحمل في أحشائها مخاطر كبيرة. إذا غابت الوطنية بالكامل فذلك يهدد الجماعة السياسية الوطنية بالتفكك والانحلال، اللهم إذا تلاشت الوطنية لصالح مشروع سياسي أممي إنساني قائم فعلاً على الأرض وقادر حقيقة على إقامة جماعة سياسية تتجاوز الإطار الوطني. إذا غابت الوطنية بالكامل – أي الشعور بالانتماء لدولة ولأمة – من الممكن أن تنحل الدولة والأمة إلى جماعات أصغر عرقية أو طائفية، مثلما حدث في يوغوسلافيا ومثلما ما يحدث الآن في السودان ولبنان. أما إذا تضخمت النزعة الوطنية وأخذت بعداً تعصبياً ضيق الأفق، فهي غالباً ما ستؤدي إلى العدوان على الآخرين، إذا ما امتلكت هذه النزعة القوة اللازمة، أو ستفضي إلى انغلاق وتقوقع على الذات إذا كانت إذا لم تمتلك أسباب القوة. وكل ذلك لا يمكن أن يتماشى مع مشروع ديمقراطي وإنما مع مشروع سياسي فاشي. والمبدأ العاصم هنا دون أن تتحول الوطنية إلى تعصب قومي هو أن يكون الانتماء الانساني مقدماً على الانتماء الوطني. فأنا أولاً انسان قبل أن أكون مصري. وأنا لن أدافع عن وطني بالحق والباطل. وإذا تولى على وطني جماعة فاشية عدوانية ضد الشعوب الأخرى، فلن أحارب معه.

خلاصة القول أن التيار الديمقراطي المصري ليس بإمكانه أن يتجاهل قضية بناء وتمتين الجماعة الوطنية المصرية، لأن ذلك هو الوعاء الذي ستؤسس فيه الديمقراطية. وعلى ذلك فإن مهمة التيار الديمقراطي في الواقع المصري ليست فقط مناهضة قوى الاستبداد في الدولة وفي المجتمع وإنما أيضاً العمل على ترميم وربما إعادة بناء الجماعة الوطنية التي تآكلت في السنوات الأخيرة. مهمة التيار الديمقراطي لا تنحصر فقط في مناهضة القوى الرجعية التي انقلبت على مفهوم الجماعة الوطنية الذي صاغته ثورة 1919، وإنما أيضاً أن يضمِّن في مشروعه السياسي الديمقراطي صياغة واضحة لماهية الجماعة الوطنية المصرية ولحدود وضفاف علاقتها بالجماعات الوطنية الأخرى في العالم.

 

4 comments to الحركة الديمقراطية الصاعدة والوطنية المصرية – إعادة بناء مفهوم الجماعة الوطنية بعيداً عن بيشوي والعوا ومتعصبي الكرة

  • Ahmad

    إنت جمعت بين مواقف الجمع بينها يعتبر إختلاط ما بين الارض و السماء,, دعنا ننحى الشعارات الكاذبة جانبا مثل الوحدة و المواطنةلا يمكن لطرف أن يستقوى بقوى خارجيةعلى وطنه و لا يحاسب ,, لا يمكن لطرف تعتبر أديرته دول صغيرة داخل أرض الوطن و على النقيض فى الجهة الاخرى مساجد كل التيارات الاسلامية مرصودة رصدا جيدا بل و كل ملتحى له ما يسمى بال”ملف” فى جهاز أمن الدولة المصرى ,, الفتاة التى سلمت للكنيسة بعد إشهار إسلامها “وفاء قنسطنطين” و لا ندرى أين هى إلى , موقف جريدة المصرى اليوم الممولة من نجيب ساويرس ضد مقالات العوا ” الذى تتهكم عليه ” من الالغاء و وقف النشر مما دفع كتاب شرفاء من ترك الجريدة مثل ” يلال فضل ” و غيره ,, و تقارن ما بين خلاف دينى و عقدى و ما بين خلاف كروى !! و تقول بلجة سخرية على رجل يعتبر من أشرف من دافع عن قضايا وحدة الوطن بإنشائه جمعية مصر للثقافة و الحوار ” يتحدث كأنه فاتح مصر ” و تلقى بعدها خطابا عن الوطن و المواطن و الكائن المصرى , سأقول كلمة مستعارة من إخواننا السودانيين تعليقا على مقالك ” كلام ساكت “

  • Amr

    Excellent stuff… not said often enough in the demagogic atmosphere reigning in these parts,, thanks

  • كاتب المقال

    عزيزي عمرو
    شكراً جزيلاً

    عزيزي أحمد
    تقول عن المقالة كلام ساكت، وانا أسألك: فيه مقالة ساكتة تستفز القاريء وتخليه يكتب تعليق ساخن زي كده؟

  • كلام موزون جدا وجمع فى نفس الوقت بين كل الترهات التى تفرق الشعب المصرى الان والقضايا التى تبعده اصلا عن الممارسات السياسيه والاهتمام بالتغيير دون الغرق فى الطائفيه او الكرويه

اترك تعليق