width text-align:right; text-align:right;

ديسمبر٢٠١٠

الإنسان أولا: حدود النزعة الوطنية

محمد البعلى

فيما يكتسب مصطلح “الوطنية” في الغرب معنىً يمينيًا بامتياز يومًا بعد آخر يجعله عنوانًا على قوانين تحد من حرية التعبير -مثل قانون الوطنية الأميركي- وشعارًا لأغلب الأحزاب الفاشية في أوروبا، فإن الكثير من أفضل العقول في الشرق والمنطقة العربية، تحديدًا، مازالوا –في مطلع القرن الحادي والعشرين- ينظرون إليه باعتباره شراع النجاة لمجتمعات المنطقة التي تتقاذفها رياح الهويات المتصارعة وموجات التطرف وعوارض التنمية غير المتوازنة.

في البدء

في النقاش حول قضية “الوطنية” يجب وضع عدة نقاط على الطاولة قبل الخوض في التفاصيل، أولا: مازال المجال السياسي المحلي والإقليمي والدولي يعتمد على حكومات الدول الوطنية التي تنظمه وتمثل مجتمعاتها، شاءت هذه المجتمعات أم أبت. وفيما عدا الهوامش الدموية التي تملأها التنظيمات المتطرفة الصغيرة التي تتحرك عبر الحدود مسلحة بالإيديولوجيا والكلاشنكوف (مثل القاعدة في باكستان وأفغانستان والصحراء الأفريقية الكبرى، وبقايا التنظيمات اليسارية المسلحة في غابات أميركا اللاتينية) فإن أغلب البشر يرتبطون بمجالاتهم “الوطنية”، فحتى من يقرر الخروج من الحدود المادية لهذا المجال تظل التبعات المعنوية لمسقط رأسه تطارده في صور عدة أولها “جواز السفر”، وليس آخرها الصورة الذهنية التي نرسمها عن كل مجتمع. يستتبع ذلك اعترافنا بحدود النقاش حول “المسألة الوطنية”، فالنقاش ليس حول أي مجال يجب أن يتحرك فيه المهتمون بقضايا الديمقراطية والحريات، فأنا أسلم أن الأولوية هنا للمجال الوطني، فالذي يسعى لزيادة مساحات الحرية داخل المجتمع المصري يجب أن يعمل لذلك عبر الضغط على النظام الذي يحكم من القاهرة، ولكن المقال يحاول أن يبحث أفق ونتائج استخدام وتعزيز الهوية الوطنية على مستقبل هذه الحرية ذاتها.

ثانيًا: أن الفكرة الوطنية فكرة طارئة جدًا على البشرية ويصعب تتبعها لأبعد من القرن التاسع عشر، فتعريف الشخص بأنه مصري أو فرنسي أمر يختلف جذريًا في القرون الوسطى عنه في القرنين الماضي والحالي ناهيك عن عدم وجود ما يسمى سعودي أو برازيلي قبل بضعة مئات أو عشرات من السنين، فالتتبع التاريخي لمسألة الوطنية يشير إلى أنها مرتبطة بمستوى معين من التطور الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي للمجتمعات، فالأوطان لم توجد قبل الرأسمالية والطباعة، فقبل ذلك كانت الروابط الرئيسية لدى البشر هي روابط الدم والقبيلة، وفي الإمبراطوريات الضخمة كان الارتباط بالسلطان/الإمبراطور ورابط الدين هو الأهم في حياة السكان وخاصة المتطلعين منهم للترقي الاجتماعي.

ذخيرة وطنية

تستخدم الأطروحة الوطنية -التي تجادل بأهمية إعلاء الانتماء للوطن على الانتماءات الدينية والقبلية والعرقية والمناطقية إلخ- بكثافة من قبل الديمقراطيين العرب في مواجهة موجة الطائفية الدينية التي تجتاح المنطقة، ولكن هذا الجدل ليس الوحيد الذي يشهد استخدامًا واسعًا لقضية الوطنية، فالاتهام بـ”العمالة” والتحالف مع “الأجانب” ضد “مصلحة الوطن” تهمة جاهزة تستخدم حاليا من قبل كافة الأطراف في معظم قضايا الجدل السياسي في مصر، وهناك التهمة الشهيرة الخاصة بـ”الإساءة لسمعة مصر”. ففي حادثة صورة الأهرام “التعبيرية” الشهيرة تبادل الطرفان -الحكومي والمعارض- الاتهام الجاهز بالإساءة لسمعة “الوطن”، وهو اتهام يتكرر ضد مسلسلات وأفلام وثائقية وبرامج تتعرض لقضايا الفقر أو الدعارة أو الفساد في مصر، وتلقى هذه الاتهامات آذانًا من جمهور لا بأس به خارج النخبة السياسية.

ويُظهر ذلك الجدل الاتهامي أن سلاح “الوطنية” سلاح متعدد الاستخدامات، ويعود ذلك بالأساس لكون “الوطنية” كمفهوم أمر ملغز، فقد فشلت كافة محاولات المؤرخين وعلماء الاجتماع لإيجاد تعريف موضوعي لقضية الأمة Nationhood “أي كون أو صيرورة جماعة بشرية معينة أمة” -على الأقل هذا هو رأي المؤرخ اليساري البريطاني إريك هوبسباوم في كتابه “الأمم والنزعة الوطنية” Nations and Nationalism والصادر مترجما للعربية عام 1999 عن دار المدى بعنوان “الأمم والنزعة القومية”، وهو أمر أعتبره دقيقًا إلى حد كبير.

إن كون الوطنية مفهوم ملغز يظهر بوضوح في قضايا المجتمع المصري المعاصرة، فهل يكون نقد الدين الإسلامي مهددًا لوحدة الوطن أكثر أم الهجوم على رأس الكنيسة القبطية؟ وهل تحقق معاهدة السلام مع إسرائيل “المصلحة الوطنية” أم أن نقضها يحققها أكثر؟ وهل علاقة نظام مبارك القوية مع واشنطن أفضل لـ”مصر” أم أن عليه الاتجاه شرقا؟ إنها أسئلة يمكن أن تجد لها إجابات متعددة بحكم موقعك الطبقي وخلفياتك الاجتماعية وانحيازاتك الفكرية، والملغز أن كلها قد تكون صحيحة من الزاوية “الوطنية”، ولكن من وجهات نظر ووفقا لاعتبارات مختلفة لا صلة لها بالوطنية فى حد ذاتها.

ولكن لنطرح سؤالا آخر قد يكون مفتاحا للإجابة على ماهية “الوطنية المصرية”: لماذا يعد بدو سيناء أقل وطنية من سكان القاهرة؟ هل ذلك وفقا لمقدار ولائهم للدولة المركزية؟ ولماذا لا يمكن اعتبارهم ببساطة “وطنيين متمردين” على النظام المركزي للدولة المصري؟ والإجابة بمزيد من البساطة أنهم أقل وطنية لأن فكرة الوطنية المصرية هي فكرة دولتية بالأساس، وبالتالي تعمل أجهزة الدولة كحامل وحام لها، وبالضرورة يكون كل منتقص من “سيادة” هذه الدولة أقل وطنية من النموذج المطلوب.

العسكرية المصرية ساهمت بشكل كبير في صنع الطبعة المصرية من النزعة الوطنية المحافظة

تتميز النزعة الوطنية المصرية بأنها نشأت عبر الدولة، على العكس من نزعات أخرى نشأت في علاقة متوترة معها (النزعة الوطنية في أميركا اللاتينية نشأت عبر الصحف الإقليمية، وقت كانت القارة أقاليم تدار من أوروبا، وبالتالي نشأت في نزاع مع سلطة الحكم بالأساس). وعلى عكس الاعتقاد الرومانسي بأن المصريين وجودوا في مصر من فجر التاريخ (بالطبع وجد سكان في هذه المنطقة الجغرافية منذ آلاف السنين كما تدل آثارهم ولكن لا يمكن الجزم بأنهم أسلاف أغلبية السكان الحاليين لهذه البقعة)، أو الاعتقاد بأن النزعة الوطنية نشأت كرد فعل على الاستعمار، فإن النزعة الوطنية المصرية نشأت مع حاجة نظام محمد علي الذي خرج من رحم الإقطاع العثماني لإنشاء جيش حديث يحميه، وبالطبع يحتاج الجيش الحديث إلى مجندين وآلة دولة مدنية لتعبئة الموارد اللازمة لبناء هذا الجيش، وهذان الكيانان بحاجة لكتلة سكانية (ضمن حدود “وطنية” بالطبع) ليتغذيا عليها وإلى نظام تعليمي ليعجن هذه الكتلة ويقومها ويضبطها على مقاس حماية النظام. تحددت هذه الكتلة السكانية عبر معارك وحروب وعبر الأفكار السائدة وقدرات التعبئة. فمثلا كان لدى البدو إحساس متوارث بالقوة والاختلاف نابع من تاريخ ما قبل الجيوش الحديثة الذي انتصرت فيه الجماعات الرعوية في كل مرة تقريبًا اصطدمت فيها بالجماعات الزراعية، وكانت محدودية الموارد لدى الدولة الناشئة أضعف من أن تستطيع توطينهم أو إنجاز تعدادهم لتناثرهم في مساحات جغرافية واسعة جرداء، ومن هنا ورثت الحكومة المركزية الريبة تجاههم وتجاهلت احتياجات دمجهم في الكتلة السكانية “الوطنية” عبر التجنيد والتعليم لسنوات طويلة جدا ما عزز بالتالي ريبتهم المتوارثة تجاه الحكومة المركزية).

إذن كان الجيش والمدرسة هما معمل تخليق الوطنية المصرية، التي تطورت منذ ذاك الحين، مكتسبة دفعات من الدولة في أغلب الأحيان (فأقوى الخطوات لدمج المسلمين والأقباط داخل جماعة وطنية واحدة تمت عبر تعميم التجنيد الإجباري في عهد الأسرة العلوية)، ودفعات من نخب خريجي المدارس الحكومية في أحيان أخرى (ثورة 1919 بشكل رئيسي).

وقد تسبب هذا الاستيلاد للنزعة الوطنية المصرية في إصابتها بعيب خلقي نشأ معها منذ أيامها الأولى، وهو علاقتها الملغزة بالنزعة الدينية الإسلامية. فبرغم أنها (أي الوطنية المصرية) تمت بصلة قرابة للنزعات الوطنية في أوروبا إلا أنها نشأت في دولة وريثة للإقطاع تحمل إيمانا عميقا بـ”اللـه”، وحرصت نخبة الحكم المسلمة المتمثلة في الأسرة العلوية وحاشيتها التركية في تطعيم التعليم والجيش ونظم الدولة ككل بمسحة دينية، حتى أنهم كانوا يرسلون أئمة مع البعثات التعليمية إلى أوروبا بهدف الإرشاد الديني (أحدهم هو رفاعة الطهطاوي الذي أصبح لاحقا من رموز التحديث في مصر). وتسربت هذه النزعة الدينية إلى كافة أجهزة الدولة وإلى إيديولوجيتها، وحتى بعض رموز الحركة الوطنية “المدنية” من خريجي المدارس الحكومية كانوا مؤمنين بعمق ومعادين للعقلانية الناقدة للدين، ولا يعود ذلك فقط إلى تعليمها في مدارس حكومية تبث الإيمان مع مبتسر العلوم، ولكن الجذور الريفية لقطاع كبير من هؤلاء ومعهم قطاعات كبيرة من السكان أبقاها تحت سيطرة الوعى الدينى بشكل كبير، لأنها كانت بعيدة عن الحداثة ومع انتقالها للمدينة حملت وعيا معارضا للمدينة، اتخذت هذه المعارضة فى كثير من الأحيان شكلا دينيا.

ولن نتوسع هنا في الإشارة إلى مشاعر الطبقات الشعبية ولكن فقط نشير إلى أن اغتيال بطرس غالي رئيس وزراء مصر (الذي اعتُبر على نطاق واسع عميلا للاحتلال) عام 1910، أثار تظاهرات فرح، ولكن الهتاف الذي رُفع لقاتله لم يكن وطنيًا بالمرة بل كان “تسلم إيد الورداني اللي قتل النصراني”.

تحتاج الأنا الهوياتية (الوطنية، الدينية، إلخ) إلى مواجهة آخر لتتعرف على ذاتها وتوضح حدودها، وكان لقدوم المحتل الإنجليزي/ الآخر دورا في تعزيز الهوية الوطنية المتشكلة في مصر، ولكن على صورتها المرتبطة بالإسلام، وليس في صورة علمانية مفترضة. فجيوش ورجالات المحتل قدموا من مجتمع وثقافة يرتبطان بصورة من صور المسيحية، بالطبع هي صورة مختلفة بشدة عن نموذج المسيحية القبطية المنتشر في مصر، ولكن المخيلة الوطنية الناشئة دمجت ما بين هوية الآخر/ المحتل الوطنية (البريطانية) والدينية (المسيحية)، ليتسبب ذلك في تعزيز المكون الإسلامي في الفكر الوطني المصري قبل ثورة 1919.

ثورة ١٩١٩ عبرت عن حس وطني متماشي مع التعاليم الدينية

ويمكن هنا الإشارة إلى التوترات التي تلت توطيد الاحتلال ومنها اغتيال بطرس غالي والمؤتمرات المتقابلة من “المؤتمر القبطي” إلى “مؤتمر مصر الجديدة” الإسلامي الذي شهد تصريحًا حادًا من ممثل لأحد الأحزاب الوطنية المهمة “تاريخيًا” وهو الحزب الوطني؛ حيث قال الشيخ “عبد العزيز جاويش” الذى كان مسئولًا عن جريدة “اللواء” لسان حال الحزب الوطنى في المؤتمر مهددًا الأقباط: “سنجعل من جلودهم نعالا ومن شعورهم حبالا”.

في نقاش له حول المسألة الطائفية أشار الصديق سامر سليمان إلى أن ثورة 1919 تبنت خطابين يبدو من ظاهرهما الاتفاق ولكنهما يبطنان خلافًا عميقًا الأول هو “الدين للـه والوطن للجميع” والثاني هو “يحيا الهلال مع الصليب”، لقد كان الشعاران جزءا من رد الوطنية المصرية على أحد ادعاءات الاحتلال الإنجليزي بأن وجوده في مصر مبرر بدوره في حماية الأقلية القبطية، لقد قدم الاحتلال/ الآخر بذلك خدمة للأقلية العلمانية في الحركة الوطنية التي كانت تتطلع -ومازالت- لتصدر هذه الحركة وإزالة ما اعتبرته التباسًا دينيًا من الفكرة الوطنية المصرية. ولكن هذه الأقلية فشلت في النهاية في إقرار مبدأ الوطنية المنفصلة عن الدين، فعند إقرار مواد الدستور الناتج مباشرة عن الثورة (دستور 1923) تم اعتبار “الإسلام دينًا للدولة” ليكرس الدستور بذلك الإسلام مكونًا جوهريًا  وقانونيا في الوطنية المصرية.

وعلى عكس الأسطورة واسعة الانتشار عن نجاحات ثورة 1919 “الوطنية”، فإنها “نجحت فقط في إرساء دعائم وحدة وطنية دينية، قامت على فكرة انقسام الشعب إلى عنصرين: المسلمون والأقباط. وهذان العنصرين يجب أن يعيشا في تسامح وإخاء” على حد قول سامر سليمان في مقاله: الحركة الديمقراطية في مواجهة المسألة الطائفية، بالعدد الثاني من البوصلة.

ويمكن بعد ذلك تتبع تطور الوطنية المصرية في تغذيها على النزاعات مع الآخر/ العدو الذي يتم تلبيسه رداء الدين في أغلب الصراعات الممتدة، من إسرائيل/ اليهودية إلى الغرب/ المسيحي.

حدود “الوطنية”

في شهر أغسطس 2010 هدد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بـ«نزع الجنسية الفرنسية عن أي شخص يهدد حياة ضابط شرطة أو ممثل للدولة يشارك في حفظ النظام». كان حديث ساركوزي موجها بالأساس للمهاجرين من أفريقيا شمال وجنوب الصحراء الذين ترى تيارات واسعة التأثير في فرنسا أنهم لم يندمجوا في المجتمع بل ويهددون الهوية “الفرنسية”، وفي سبتمبر 2010 قامت حكومتا الكويت والبحرين بنزع الجنسية بالفعل عن رجلي دين شيعيين، الأول بسبب تصريحات دينية أغضبت التيار الديني السني في الكويت، والثاني -لأسباب إدارية كما قالت المنامة- على خلفية القبض على تنظيم شيعي مسلح.

تُظهر هذه الوقائع الحديثة جدًا أن العديد من النخب الحاكمة -في دول ذات اختلاف كبير في مستوى التطور- مازالت متشككة في “وطنية” مثيري القلاقل. بالطبع يعود ذلك في جزء كبير منه إلى طبيعة تطور كل مجتمع، ولكنه يعود أيضا إلى مرونة الفكرة الوطنية ذاتها. فالفكرة -كما كل الجماعات الهوياتية- تقوم على افتراض جماعة خيالية يربط بين أعضائها حس مشترك بالانتماء لهوية ما “دينية؛ وطنية؛ طبقية؛ عرقية..” لكن هذا الافتراض لا يجد ما يؤكده من وقائع مادية، حيث تفرق الاختلافات وأشكال عدم التجانس بين أعضاء الجماعة الخيالية. وعند غياب المحددات المادية للانتماء، وفي ظل مرونة النظم القانونية للتجنيس ونزع الجنسية يصبح جواز السفر في مهب الزوابع السياسية.

ومع غياب التجانس في الجماعة الوطنية يظل الموحد الرئيسي لها هو سطوة الإعلام وقوة جهاز الدولة خاصة مؤسستي التعليم العام والجيش.

ومع التسليم مجددًا بأن نموذج الدولة الوطنية هو الأقرب للاستمرارية خلال القرن الحالي، على الأقل، فإن أطروحة “الجماعات الخيالية”، وإن كانت لا تسعى إلى مقارعة نموذج الدولة الوطنية أو نفيه، فإنها تسعى من خلال كشف أسطورية فكرة الانتماء إلى الجماعات الكبرى، وهي الفكرة التي نشأت فقط في العصور الحديثة وترسخت كإيديولوجيا وحيدة ذات طبعات مختلفة في القرن الثامن عشر، إلى تجاوز الانتماءات الفوقية التي تختزل الإنسان إلى “وحدة” عليها التأقلم ضمن بناء الجماعة الكبرى وخدمتها، حتى ولو على حساب إنسانيته. هذه الإنسانية تتطلب تجاوز هذا التأقلم، بما في ذلك تجاوز نموذج “نحن” في مواجهة “هم”، سواء هم الأعداء أو هم المنشقون عن نموذج الجماعة، ويجب التأكيد هنا على أنه في أغلب الأحيان تُستخدم الأسطورة الهوياتية (الشعب المصري، الأمة الإسلامية.. إلخ) تستخدم من قبل أكثر الفئات سلطوية، بهدف التعبئة وراء “أنا” مفترضة، والعين دائما على تعزيز السيطرة على الجماهير باستخدام الأسطورة الهوياتية.

تسعى الأطروحة، كما أفهمها، إلى تجاوز الانتماء للجماعات الكبرى، الوطنية والقومية والطبقية، لصالح نموذج انتماء يعلي من شأن الإنسان فوق شأن جماعته، ويضع أهمية حقوقه فوق أهمية جواز سفره، ويرى في تضامنه الإنساني مع البشر المضطهدين، وليس مع رفاقه المفترضين في الجيش الأسطوري، خطوة أولى على طريق تحرره من علاقات القهر المعنوي والمادي التي تخلقها آليات التنميط في الجماعة المتخيلة.

وللإجابة على السؤال كيف يمكن النضال من أجل الديمقراطية خارج أفق الإيديولوجيا الوطنية، أستشهد مرة أخرى بالمقال سالف الذكر لسامر سليمان؛ فقد اقترح في مواجهة الطائفية إعداد “كتيب يشرح مثالب الطائفية، يدافع عن الدولة الديمقراطية المدنية، ويبين جدواها لكل المجتمع، بكل أفراده سواء انتموا دينيا للإسلام، أو للمسيحية، أو للتشيع، أو لليهودية أو لأي شيء. ثم ينتقل هذا الكتيب إلى طرح تصور دستوري يترجم برنامج الحركة الديمقراطية في المسألة الطائفية. وبهذا الكتيب نستطيع الدخول في نقاش جدي مع القوى الطائفية، ونستطيع أن نواجه المجتمع بهذا البرنامج المتكامل. ربما يتسنى لنا إقناع بعضهم بأن تجاوز الطائفية السياسية والمجتمعية سيفتح للمصريين آفاقا غير محدودة من التطور الإنساني. وسيتمثل التجسيد العملي لذلك البرنامج في الجماعة الديمقراطية نفسها، بتسامحها وبإنسانيتها وباحترامها لكل إنسان بعض النظر عن عقيدته. فلنتعاهد على أن نصيب المجتمع “بعدوى” انتمائنا الإنساني الواسع الذي يفتح لنا أفاقا غير محدودة من التطور الشخصي ومن التلاقح الإنساني”.

أوافقه على الدعوة للدولة الديمقراطية المدنية مع تأكيد قوي على تأييد حق كافة الجماعات في الحصول على حقوقها الثقافية والسياسية دون وضع شرط هوياتي على ذلك (مثل شروط عدم تهديد وحدة الوطن وما إلى ذلك)، والتأكيد على المساواة الحقوقية أمام القانون لكافة الأفراد من مواطنين وأجانب في مجالات الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية، فالانتقاص من حق فرد واحد يؤدي في النهاية إلى الانتقاص من الحريات في المجتمع ككل.

+ يفرق المقال بين الدولة الوطنية والفكرة الوطنية حيث يرى الثانية سابقة على الأولى في حالات عديدة مثل الحالة الإيرلندية ووضع التاميل في شمال سريلانكا، فكلاهما طور أدبيات وأطروحات وحركات تناضل لتأكيد وجود هوية وطنية مختلفة ومحاولة ترجمة ذلك في دولة وطنية الأمر الذي نجح جزئيا في حالة أيرلندا وفشل كليا في حالة التاميل.

اترك تعليق