لماذا حصل البرادعى بالذات على كل هذا التأييد من بين كل الأسماء التى رشحها البعض لمنافسة النظام على مقعد الرئيس؟ من هم مؤيدوه، وعلى أى أساس؟ كيف يمكن وصف العلاقة بين الحركة الديمقراطية والبرادعى؟ هل يطرح نفسه بوصفه مرشح توافق وطنى أم مرشح كتلة ديمقراطية؟ وما الذى تستطيع الحركة الديمقراطية أن تحققه مع البرادعى وكيف؟ هذه بعض الأسئلة التى يحاول هذا المقال أن يطرحها ويقدم رؤية بشأنها، كمقدمة حوار مأمول فى أوساط الحركة الديمقراطية حتى تكون على بينة من أمرها.
حين صدرت “البوصلة” للمرة الأولى عام 2005 افتتحت أعدادها بملف كامل عن “المشهد السياسى الراهن” آنذاك، وبتحية تفتح “ربيع الحرية” فى مصر. وفى نفس الوقت وضعنا تحفظات كثيرة تحذر من محدودية الطاقات الدافعة لهذا الربيع القصير، ونبهنا للحاجة إلى بذل جهود مركبة على مدى زمنى طويل كشرط لتغيير موازين القوى لصالح الديمقراطية. مرة أخرى، تعود “البوصلة” للصدور كمجلة إلكترونية شهرية. ومرة أخرى نستهل عملنا بإلقاء نظرة على المشهد السياسى الراهن. وقد اخترنا أن نجرى هذه النظرة من زاوية الانشغال الأساسى الحالى للحركة الديمقراطية، وهى ما قد نسميه ظاهرة البرادعى التى أعادت إحياء الحركة، آملين أن يثير هذا الطرح نقاشا فى الحركة الديمقراطية التى ارتبطت بها “البوصلة” من بداية صدورها وفى قلبها النشطاء الملتفين حول البرادعى. وكالعادة سيكون تناولنا لوضع الحركة الحالى وآفاقها نقديا وتحليليا. سنبدأ بتقديم تحليل موجز لأزمة النظام، ثم أزمة المعارضة، ثم حركة البرادعى نفسها، لنختتم برؤيتين مختلفتين جزئيا لآفاق العلاقة بين الحركة الديمقراطية والبرادعى.
أزمة النظام
لا شك أن الحركة الديمقراطية التى استدعت البرادعى ودعمته لم تنبع من مجرد شوق عارم للحرية تصادف أن أصاب بعض الناس. تكمن جذور الحركة الديمقراطية قبل ومع، وربما بعد، البرادعى فى أزمة بنيوية ممتدة أصابت النظام السياسى (الذى تشكل بعد يوليو 1952) فى عهد مبارك، وهى الأزمة التى تناولت أعداد “البوصلة” السابقة جوانب عديدة منها. ويمكن هنا اختصارها فى ثلاثة جوانب: أزمة الحكم، الأزمة الاقتصادية، الأزمة الإيديولوجية.
على مستوى أزمة الحكم، سيطرت المجموعة الحاكمة بشكل كامل تقريبا على الدولة، بما وسم البلاد سياسيا ببعض سمات النظام المملوكى، أو ما أُطلق عليه شخصنة النظام. لا شك أن هذه السمة متأصلة فى النظام منذ بدايته. فالمناصب تُمنح على أساس الولاء لأفراد أو أجزاء من المجموعة الحاكمة. ولكن عهد مبارك شهد تزايد اعتماد توزيع موارد الدولة على شبكات غير رسمية من الشِلَل، وهو ما يُعرف بالنظام الزبونى. والأهم أنه مع تخفيف سيطرة الدولة على الاقتصاد وتناقص قدرتها على شراء الولاء تزايدت الصراعات بين الشلل المختلفة وبين الأفراد على المناصب، الأمر الذى ظهر على أوضح صورة فى تزايد نجاح “المستقلين على مبادئ الحزب الوطنى” فى الانتخابات التشريعية المتتالية، والذى وصل إلى درجة خطيرة فى عام 2000 بانتصارهم على مرشحى الحزب الرسميين فى غالبية الدوائر. هذا التفكك الانتخابى – إن جاز التعبير – ليس سوى الجانب الأبرز من الخصخصة المتزايدة لسلطات الدولة وتفكك الهيمنة المركزية على البنى السلطوية فى عملية ممتدة دفعت الجهاز الحاكم نفسه للتكيف مع مصالح أفراده وشِلَله الخاصة.
وفى نفس الوقت أدت المواجهات مع الجماعات الإسلامية المسلحة إلى تعميق الطابع الأمنى ووزن أجهزة الأمن فى النظام، بحيث أوكل إليها مسئوليات سياسية متزايدة فى الحفاظ على التوازنات وإطفاء النزاعات أو إشعالها فى مختلف القطاعات والمناطق، كما زادت سلطاتها الفعلية على المواطن العادى، فمُنحت، مثلا، وسائل تعذيب وُزِّعت على مختلف أقسام الشرطة، وهو ما أدى إلى ما يمكن أن نسميه لا مركزية العنف داخل جهاز الدولة أو “خصخصته”.
ثانيا، انعكست أزمة الحكم المزمنة على الاقتصاد. مر الاقتصاد المخطط والمركزى “الناصرى” بأزمة متزايدة أدت إلى البحث عن خيارات أمام المجموعة الحاكمة، ربما منذ الأزمة الاقتصادية التى واكبت نهاية الخطة الخمسية الأولى فى عهد عبد الناصر نفسه. كان أحد الخيارات المطروحة التحول إلى اقتصاد السوق، وهو الخيار الذى انتصر فى النهاية فى عهد السادات. ولكن من بين جميع عمليات التحول من هذا النوع فى بلدان مختلفة فى العالم تميز التحول المصرى بالبطء والتعثر، الذى نتج عن عوامل مختلفة، على رأسها عجز النظام، وهو عجز بنيوى متأصل، عن تكوين تحالف اجتماعى واسع من أى نوع يخوض صراعا مفتوحا من أجل تغليب خيار بذاته. فالنظام، كما أسلفنا فى أعداد سابقة، يعتمد على تجنيد أفراد وشِلَل بتوزيع موارد الدولة عليها، لا على بناء تحالفات سياسية مع قوى بعينها. لهذا أُجريت التحولات المذكورة بخطوات بطيئة، بالاعتماد على مناورات مجموعة سياسية ضيقة للغاية ذات قلب أمنى، يحركها الحذر الذى يهدف للحفاظ على هيمنتها الأمنية وانفرادها بممارسة السلطة.
كان من بين نتائج ذلك أن ظل الاقتصاد القائم اقتصادا ريعيا دولتيا فى جوهره، يعتمد على هيمنة النظام على ريع سياسى (المساعدات الأمريكية والخليجية) وريع قناة السويس والبترول والغاز الطبيعى. ولم يؤد التحول إلى اقتصاد السوق إلى تفكيك هذا الطابع الريعى ولا الهيمنة الدولتية، بل انعكس هذا الطابع على أنشطة القطاع الخاص نفسها من ناحيتين. الأولى هيمنة أنشطة الخدمات وتدفق الاستثمارات على قطاعى السياحة والتشييد. ومن ناحية أخرى لم يؤد التحول إلى إنشاء اقتصاد سوق بالمعنى المعروف. فالدولة ترعى مجموعة محدودة من الاحتكاريين وتتلاعب بهم فى نفس الوقت، بحيث أصبح السوق غير شفاف وغير قائم على المنافسة كما هو معروف. على هذا النحو أصبح الطريق إلى الاستثمار الكبير الناجح هو بالدرجة الأولى تحقيق تراكم فى النفوذ أو اكتساب الحظوة عند المجموعة الحاكمة، لا القدرة على الابتكار التكنولوجى والتنظيمى. وفى غياب الشفافية والاعتماد على الشِلَل باعت الدولة جانبا كبيرا من أصولها، دون أن يترتب على ذلك فى حالات كثيرة ارتفاع إنتاجية هذه الأصول بعد بيعها، بل تصفيتها من أجل استعمال الأرض أو المبانى لأغراض أخرى. وفى غيبة أية محاسبة أنفقت الدولة المليارات على مشروعات فاشلة، مثل توشكا، وفشلت فى اجتذاب استثمارات أجنبية كبيرة فى القطاعات الصناعية المحورية.
أما الجانب الثالث للأزمة فهو أزمة الهيمنة الإيديولوجية، أى وجود إطار إيديولوجى عام مستقر تستطيع القوى والمصالح الاجتماعية المختلفة أن تجد لنفسها مكانا فيه، ومنطقا تدافع من خلاله عن مصالحها. وبرغم أن هذه الأزمة بنيوية فى النظام منذ نشأته، فإنها تفاقمت نظرا للطابع الشِلَلى المتزايد التفكك للحكم من جهة، ونظرا لأن ثمة تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة زادت الشعور بافتقاد هذا الإطار الإيديولوجى. وهكذا جرت التحولات بطريقة نفعية بحتة بغير صياغة خطاب يجمع القوى المؤيدة لها. وعلى طريقة المناورة عبر التوازنات قدمت مؤسسات الدولة الإيديولوجية خليطا مفككا من الخطابات القائمة فى المجتمع، شملت النزعة الدينية المحافظة التى تفرض وصاية أبوية على كافة مناحى الحياة؛ وخطاب تحديث سلطوى يكرس فكرة أبوية الدولة التى تتخذ قراراتها بشكل سرى باعتبارها قوَّامة على الشعب؛ ونزعة ليبرالية منقوصة تدافع عن اقتصاد السوق باعتباره طريق الخلاص من الأزمة الاقتصادية والمجتمعية؛ ونزعة شعبوية تتحدث عن العدالة الاجتماعية كأداة لإخضاع قوى السوق للنظام الزبونى وتكريس فكرة أولوية الدولة السلطوية. أصبح الخطاب الرسمى يعكس هذه الملامح معاً ولكن بشكل مفكك بما أفقد النظام أية قدرة على تعزيز هيمنة إيديولوجية تدعم برنامجه. ومن الأمثلة على ذلك التفكك الجمع بين العداء للإرهاب الإسلامى والقتال لاحتكار التفسير “الصحيح” للإسلام؛ أو الجمع بين تقديم تنازلات طائفية تتفق مع مفاهيم الحركة الإسلامية واحتكار حماية الأقباط والأقليات والمثقفين من تهديدات هذه الحركة.
*
نأتى إلى تطورات العقد الأول من القرن الحالى. بحلول عام 2000 تقريبا كان النظام قد نجح فى قمع الحركة الإسلامية المسلحة، وحيَّد العلمانيين، ونجح فى استعمال الأخوان بمزيج من التحييد والقمع، وبدا له المشهد وكأنه قد نجح أخيرا فى الانفراد بالساحة. فأُتيحت له الفرصة لينظم بيته الداخلى بمعزل عن الضغوط الداخلية والخارجية. وهكذا شهد عام 2002 اتخاذ خطوة تعويم الجنيه من جانب، بما أتاح له تحسين موازنته العامة وإنشاء احتياطى نقدى بغير أن يواجه مخاطر من جانب حركة جماهيرية. ومن جهة أخرى أقيمت لجنة السياسات وبدأت المؤتمرات السنوية للحزب الوطنى فى محاولة للسيطرة على القوى المتحلقة حول النظام والمنتفعة به وإقامة خطاب موحد للنظام. كما أُجريت إصلاحات سياسية محدودة بهدف إتاحة مجال للتنفيس عن الضغوط المترتبة على إجراءات الإصلاح الاقتصادى وتحسين صورة النظام فى الخارج. وكان مشروع جمال مبارك هو الرابطة بين هذه الأهداف الثلاثة: التحديث الاقتصادى والانفتاح السياسى وتحويل “الوطنى” إلى حزب فعال وتحت السيطرة فى نفس الوقت.
غير أن هذا المشروع تعثر بفعل التشققات البنيوية التى تعرضنا لها: ريعية الاقتصاد؛ تزايد الشللية وتفكك مجموعات المصالح المتحلقة حول النظام وتزايد صراعاتها؛ عجز النظام البنيوى عن رعاية أية تعددية سياسية فاعلة. عادت معدلات التضخم المرتفعة مرة أخرى، وزادت الصراعات داخل الحزب الوطنى مع صيرورة لجنة السياسات مركز قوة آخر داخل النظام، لا أكثر، وفشل الحزب فى السيطرة على ترشيح أعضائه بشكل أكبر فى انتخابات البرلمان فى 2005، وأخيرا تراجعت مكانة جمال مبارك تدريجيا وأصيبت إصابة مباشرة مع ظهور البرادعى.
أسفرت محاولات النظام لإصلاح نفسه وتطويره (مضافا إليها الضغوط الخارجية التى صحبت غزو العراق وفكرة مقرطة المنطقة التى رفعتها الإدارة الأمريكية فى عهد بوش)، عن مجموعة ظواهر، منها التطورات التى أصابت المعارضة التى رفعت لأسباب مختلفة شعارات ديمقراطية (وسنتناول ذلك بعد قليل)، وصعود الأخوان على السطح بقوة وصلت إلى ذروتها فى تدخلهم لتأييد حركة القضاة لتحقيق استقلال أكبر عن السلطة التنفيذية والأمنية. وقد نجح النظام كما هو معروف فى مواجهة الأخوان، بعد أن منحهم فرصة الحصول على 88 مقعدا فى الانتخابات النيابية، الأمر الذى أسهم بشدة فى دفع مشروع جورج بوش تحت عنوان “الفوضى البناءة” للتراجع، فى عهد بوش نفسه، بحيث أصبحت إدارة أوباما سعيدة لمجرد نجاحها فى إعادة العلاقات الطبيعية مع نظام مبارك. وسرعان ما تراجعت قوى المعارضة الأخرى كما سنرى.
أزمة المعارضة
فى عام 2003 وما بعده برز مشروع بديل لمشروع لجنة السياسات (ولكن أضعف بكثير)، هو إحياء المشروع الوطنى/ القومى توجِّهه فكرة “دولة قوية”، استنادا إلى اتهام النظام القائم بالضعف أمام رجال الأعمال داخليا وإسرائيل والولايات المتحدة خارجيا. اعتمد هذا المشروع على نخبة من الإنتليجنسيا أو المتعلمين. هذا المشروع قديم، يرجع إلى أواخر السبعينيات حين واجهت قطاعات من المتعلمين اتفاقية كامب ديفيد وتوابعها. ولكن إحياؤه فى بداية الألفية الجديدة كان بفعل مجال الحركة الذى أتاحه المشروع الحكومى نفسه، والضغوط المتولدة عن الغزو الأمريكى للعراق.
فى هذه الظروف الجديدة استطاعت المعارضة القومية وقوى يسارية أن تنظم احتجاجات شارعية محدودة، ولكن مؤثرة، تمثلت ذروتها فى أنشطة حركة “كفاية” والمنظمات الشبيهة التى انبثقت وقتها. ولكن المشروع فشل لأسباب هيكلية، هى ضعف الإنتليجنسيا المتأصل واعتمادها بالبديهة على الدولة، وعزلتها، هى ونشطائها السياسيين، عن الطبقات الاجتماعية الأعرض، بما جعلها تفشل فى جذب ما يزيد عن مئات من المتعلمين. فضلا عن ذلك تميزت الحركة بالتضارب والتنافس بين القوى المشاركة فيها وعدم وجود أى مشروع سوى تلك الفكرة الغامضة عن دولة قوية وطنية ذات التزامات عربية، وشعار سلبى ضد “التوريث” بغير بديل. وكان من أثر هذا الفشل تراجع الخطاب القومى والإسلامى. مع إعادة انتخاب حسنى مبارك رئيسا أصبح انهيار فعالية حركة “كفاية” تحصيل حاصل.
بعد تراجع هذا المشروع بدأت عواقب الإصلاح الاقتصادى الاجتماعية تطرح نفسها فى صورة حركات مطلبية منظمة بدرجة أو بأخرى من جانب عمال القطاع العام أساسا وموظفين وسكان أحياء أو قرى لتحقيق مطالب فئوية أو حتى لوقف تدهور أوضاعهم. ولكن هذه الحركات عجزت عن إفراز أى خطاب بديل ولو على مستوى حركتها الخاصة.. وبرغم بعض محاولات لبلورة الحكات المطلبية فى تنظيمات أهلية، عمالية أو فئوية، مستقلة فإنها جميعا، عدا حركة موظفى الضرائب العقارية، فشلت فى ذلك. وأتى إضراب المحلة عام 2008، ومحاولة الإنتليجنسيا للقفز عليه بمشروع خيالى للعصيان المدنى ليتيح للنظام توجيه ضربة ساحقة لهذه الحركات الاجتماعية، بحيث أصبحت بعد ذلك أشبه بحركة مظالم لا تطلب سوى “الإنصاف”. بعبارة أخرى انتهى الأمر بها إلى الاستسلام لفكرة الدولة الراعية الأبوية، فأخذت تطالب النظام بالتدخل لنصرتهم ولو جزئيا، وهو ما يشكل نوعا من تبنى الفكرة الناصرية السلطوية.
*
فى عام 2009 بدا الأمر إذن وكأن عقارب الساعة قد عادت إلى 2002. أصبحت المعارضة متشائمة مرة أخرى، بعدما اتضح أن المظاهرة المليونية التى ستطيح بالنظام، فى زعمهم، لن تأتى، وبعد تغير طبيعة الحركات المطلبية كما أسلفنا، وبعد تراجع الضغوط الخارجية. ولكن هذا لا يعنى أن السنوات السبع مرت دون أن تترك أثرا. فقد لحقت الهزيمة بالخطاب القومى والدينى. كان أنصار كل خطاب يعتبرونه كفيلا بتخليص البلاد من كل آلامها، سواء تحت شعار “الدولة القوية” أو شعار “الإسلام هو الحل”. وبقدر ما كانت الإمكانية نظرية بحتة ظل الأنصار محتفظين باقتناعاتهم. ولكن مع استيلاء الخطابين بالفعل على المجال الإيديولوجى، وتمتع أنصارهما بقدر كبير من حرية الحركة (دون إنكار للقمع)، انكشفت محدودية قدراتهما.
تكمن المشكلة من وجهة نظرنا فى أن هذه الخطابات نابعة، أيا كان ما ترفعه من شعارات الديمقراطية، من نفس النبع الفكرى السلطوى الذى ألهم إقامة تنظيم مصر الفتاة والحزب الوطنى القديم (جناح فتحى رضوان) والأخوان المسلمين ونظام الضباط الأحرار، وبالتالى النظام الحالى، معا. كان المشهد السياسى الذى تدافع عنه هذه القوى ينقسم بطبيعته نفسها بين محسوبية (أى زبونية، وفقا للمصطلح فى العلوم السياسية) لا سياسية (كالتى يمارسها الأخوان المسلمون منذ قديم الأزل: “تأليف القلوب” بالمنافع) وشعاراتية شعبوية مفرغة من القوى الحية، لأنها تُرفع فقط لمطالبة الجمهور بتأييد قوى قائمة بالفعل، لا جذبها لكى تقتحم المجال العام وتغير توازناته.
أضف إلى ذلك أن الإنتليجنسيا ا
لتى أيدت هذه القوى المختلفة ظلت منقسمة بين إنتليجنسيا قديمة وفقيرة تعمل فى جهاز الدولة وما يشبهه، وأخرى حديثة تعمل بأجور وشروط عمل مختلفة تماما فى القطاع الخاص والأجنبى وما يشبهه. وقد انعكس هذا الانقسام فى الاختلاف على تفسير فكرة الديمقراطية التى رفعتها الكثير من الحركات فى 2005- 2008. فالأولون مالوا لاعتبار الديمقراطية أداة للتخلص من النظام بوصفه نظاما منحرفا (أى يجب تصحيح مساره قوميا أو إسلاميا)، بينما مال الآخرون لتصور أكثر حداثة، يحارب النظام على أساس أنه غير كفء وفقا لمعايير الرشادة (أى الدعوة لحداثة سلطوية قومية أو إسلامية). وفى هذا الإطار ظهرت الانشقاقات سواء داخل حركة “كفاية” وأخواتها أو داخل الأخوان. وبينما نجح الأخوان إلى حد ما فى لم الشمل بتبنى خطاب متناقض (فى برنامجهم المعلن) وبالتالى غامض، تفككت “كفاية”.
الواقع أن ما يجمع بين الطرفين هو تحديدا الخوف من حركة الطبقات الأفقر والأكثر عددا، والأقوى فى النهاية إذا دخلت المجال العام بشكل منظم، وما يصحب هذا الخوف من احتقار لهذه الطبقات باعتبارها “همجية” أو “غير متحضرة” يجب أن تخضع للوصاية (وهى نفس رؤية النظام السلطوى القائم)، أو الاستعمال (كما شهدنا فى أبريل 2008). الأمر الذى جعل صراعها مع النظام محدودا بحدود سماحياته. وقد حرص النظام على أن يذكرهم بخطر “الرعاع” من حين إلى آخر، باستعمال بعض العناصر الإجرامية والمشردة التى يحمى هذه الإنتليجنسيا “المهذبة” منها وفى نفس الوقت يستعملها وقت اللزوم فى ضرب حركاتها، بقدر من اللطف والحق يقال. وليس من الغريب إذن أن النظام يشعر تجاه هذه الطبقة التابعة بأنها ناكرة للجميل.بالمقابل عجزت هذه الطبقة حتى الآن عن تطوير خطابها بحيث تتحالف مع العناصر الأقوى والأكثر تقدما من الطبقات الفقيرة لصالح مشروع ديمقراطى، ربما باستثناء تيار ديمقراطى ليبرالى أو يسارى صغير فى هذه الحركات يضع الديمقراطية فى مركز حركته، لا وسيلة لغايات يقررها خطاب سلطوى بديل. ولكن هذا سنتناوله لاحقا. يكفى هنا أن نشير إلى أن حركة البرادعى قد ظهرت فى هذه الظروف.. ظروف تراجع الديمقراطية السلطوية، الوطنية والدينية.
حركة البرادعى
جاء البرادعى من الصحف والإنترنت! اختنقت حركة “كفاية” داخل سخافة فكرة المظاهرة المليونية الشعبوية. كان رد فعل عناصر بارزة فى التيار القومى على عدم استجابة “الشعب” لدعوته طرح اسم مدير المخابرات رئيسا. وطور البعض الفكرة بالدعوة لحكم جنرال ما يأتى من “القلب الصلب” للدولة، مفترض فيه أن يقوم بإصلاح وفقا للفكرة القومية، أى وفقا لفكرة “الدولة القوية”، ولكن دون أن يلتزم بأية أجندة، سوى فتح المجال أمام المعارضة القومية نفسها. فى هذا الإطار ظهرت فكرة ترشيح عدد من الشخصيات البارزة الأخرى التى بدا أنها تختلف عن سياسات النظام. أقربها له رجلها عمرو موسى، ولكنها شملت أيضا زويل والبرادعى وغيرهم. باختصار شخصيات بارزة تتمتع فى عين المواقع الإلكترونية وكُتاب المقالات الذين رشحوهم بالكفاءة، أيا كان نوع الكفاءة، وبالسمعة الجيدة.
اختلف وضع البرادعى بالمقارنة بغيره من المرشحين اختلافا جذريا باستجابته للدعوة بعد انتهاء عمله فى وكالة الطاقة الذرية. وأتت استجابته بطريقة تطرح بقوة قضية الإصلاح السياسى باعتبارها القضية الجوهرية، حيث أعلن أنه لا يقبل أن يرشح نفسه فى ظل الأوضاع الدستورية والقانونية القائمة، لأنها ستكون عملية شكلية لتجميل النظام، ودعا بالمقابل إلى نضال ديمقراطى من أجل تغيير قواعد اللعبة نفسها، برفع يد النظام عن عملية الترشيح وإجراء الانتخابات. كما طرح نفسه كمرشح، فى حالة تحقيق هذه الشروط، لإجراء إصلاحات دستورية وقانونية أبعد مدى لإقامة دولة ديمقراطية. وقد عبَّر البرادعى بوضوح عن أنه يتبنى فكرة ديمقراطية ليبرالية عن الدولة، تعادى أية نزعة طائفية وتناصر الحريات الدينية وحريات التنظيم والتعبير والمجتمع المدنى وحقوق الإنسان.
لقى هذا الطرح استجابة متوسطة الحجم بين شرائح شبابية من الطبقة الوسطى أساسا بفعل الأزمات التى تناولناها. برز البرادعى كمرشح محتمل يحمل هذا الخطاب الجديد نوعيا كخطاب عام موجه للجمهور. ويمكن القول بأن بروزه هذا يدين إلى الحركة السابقة التى غلبت عليها “الديمقراطية السلطوية” – إن جاز التعبير، لما حشدته من جمهور، متفرج أساسا، حول الشعارات الديمقراطية، وجذبه لمتابعة المجال العام والتعليق عليه بعد إحيائه جزئيا. ولكنه يرجع بنفس القدر إلى فشل حركة 2005 وفقدان الأمل فيها على نحو ما أوضحنا. بعبارة أخرى يرجع صعود البرادعى إلى ظهور المجال العام الجديد المحدود الساخط على الفساد والمتذمر من الضغوط الاقتصادية ويرجع فى نفس الوقت إلى فشل المشاريع القديمة التى بُنيت من قبل. وهو يرجع أيضا لمحدودية مشروع الإصلاح الذى تبلور حول “لجنة السياسات” بالإضافة إلى هزيمة المشروع الأمريكى.
بمجرد صعود البرادعى على مسرح العمل العام التفت حوله جماعتان مختلفتان نتناولهما على الترتيب: السياسيين القوميين الهواة والمحترفين الراغبين فى اس
تعماله كواجهة، والذين شكلوا الجمعية الوطنية للتغيير بأسمائها المعروفة، من حمدى قنديل إلى جورج إسحاق إلى حمدين صباحى وشملت أيضا أيمن نور. بالنسبة لبعض هؤلاء، ممن لهم طموحاتهم الخاصة، ليس البرادعى وخطابه سوى لحظة انتقالية فى مسار صعودهم الفردى. ومن خلال الدعاية التى مارستها هذه المجموعة البارزة انجذب أفراد كثيرون لتأييد البرادعى بمنطقهم، حيث رأوا فيه أفضل شخصية تتيح فرصة إقامة دولة متقدمة على النمط الغربى، أى تحقق تحديثا أبويا من أعلى ذو صبغة ديمقراطية وتقضى على تفكك الدولة أو تُصلِحها. هذا التوجه يقوم بطبيعته ذاتها على الرهان على أن يسفر الضغط عن جعل البرادعى مرشحا مقبولا من قطاعات من داخل الدولة. فى إطار هذا التصور تكون أهم مزايا البرادعى علاقته بالدولة ووجاهته النابعة من مكانته الدولية. أما مشكلته، أو جوانب التساؤل عن جدوى المشروع، فتدور حول تشكك هؤلاء فى إمكانية نجاحه فى إحكام السيطرة على جهاز الدولة شاملا الأجهزة الأمنية والجيش باعتبار ذلك شرطا لنجاح مشروع الإصلاح من أعلى.
هذه هى الجماعة الأولى. ولكن هناك جماعة أخرى، ليبرالية ويسارية، لها رؤى مغايرة، يرجع ولو جزئيا إلى واقع أن خطاب البرادعى نفسه يحمل توجها أكثر جذرية. فبرغم دوره البارز باعتباره مركز الحركة التى تدور حول إمكان ترشيحه، طرح البرادعى فكرة ديمقراطية متعددة الأبعاد تشمل المساواة بين الرجال والنساء وحقوق الأقليات والحريات الدينية والسياسية والنقابية بأوسع معنى، لا مجرد إصلاح بنية الحكم بالمعنى الضيق، أى إصلاح “التنظيم السرى الذى يحكم مصر” على حد تعبير إحسان عبد القدوس. ولكن الأهم أن البرادعى طرح رؤيته بطريقة تحمل ميلا ديمقراطيا جذريا، بالقول بضرورة تحقيق هذه الأهداف عن طريق تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها، لا مجرد تحدى النظام من داخلها، بما يطرح فى حالة اتساع الحركة المؤيدة له تحديات حقيقية على النظام. كما طرح نفسه باعتباره مشاركا فى حركة ديمقراطية وتجنب طرح نفسه كمنقذ سيأتى لها بالنصر بجهوده الخاصة (على نحو ما طُرحت أسماء أخرى)، متجنبا فكرة مركزية فى الخطاب “الديمقراطى السلطوى” الذى سبقت الإشارة له. على هذا النحو يمكن قراءة صعود البرادعى من ناحية أخرى كتعبير عن كتلة متأثرة بحركة 2005، وإن كان معظمها لم يشارك فيها مباشرة، ولكن مصفاة من التيار الدينى والقومى المتشدِّدَين.
والمشكلة الجوهرية التى تواجهها هذه المجموعة، أو هذا التوجه المحتمل لحركة البرادعى، هو ضعف الحركة الديمقراطية نفسها. يمكن القول بأنه توجد حساسيات أو أنشطة ديمقراطية لم تتبلور بشكل سياسى فعال (منظمات حقوق إنسان، مواجهة التعذيب، جهود الدفاع عن حقوق الأقليات الدينية، عن الحقوق النقابية، عن مراقبة الانتخابات، الخ) وما زالت بعيدة عن اجتذاب قطاعات واسعة بل وعن تحقيق الترابط والتنسيق فيما بينها. كما أن كثيرا من الحركات المطلبية التى سلفت الإشارة إليها مؤقتة، تنتهى بتحقيق المطالب أو بالعجز عن تحقيقها بغير بناء أطر تنظيمية باستثناء موظفى الضرائب العقارية. أضف إلى ذلك أن الجانب الأكبر من الطبقة العاملة، فى القطاع الخاص، ما زال غير منظم نقابيا، ولم يمارس نشاطا جماعيا، ولو مطلبيا، على نطاق معتبر. كما أن القطاعات الوسطى من الرأسمالية المصرية، البعيدة عن الحظوة، لم تقرر أن تتخذ موقفا ديمقراطيا يتحدى النظام حتى الآن.
ولهذا السبب ما زال النشاط الديمقراطى احتجاجيا ومحدود الأهداف (باستثناء الكلام العام عن الديمقراطية) وبالتالى يفتقر إلى تصور متكامل عن بديل للنظام القائم. والأهم أن هذا الافتقار لا يرجع إلى مشكلة فكرية بحتة فى صياغة بدائل، بل يرجع إلى ميل ميزان القوى بشدة لصالح النظام، برغم أزمته العميقة، بما يحول دون صياغة بدائل على أساس واقعى، أى على أساس وجود قوى لها ثقل فى الواقع راغبة وقادرة على تبنى هذه البدائل. باختصار، نظرا لأن شروط حركة ديمقراطية جذرية لم تتحقق بعد، يواجه خطاب البرادعى، إذا فُهِم كخطاب حداثى وديمقراطى فى نفس الوقت، مشكلة فى العثور على مؤسسات، أى قوى منظمة، مناسبة قائمة يستند إليها فى مطالبته بتغيير أسس اللعبة السياسية.
وقد تجنب خطاب البرادعى طريقة الجبهات الحزبية التى توالى طرحها وفشلها من 2005، ولكن محدودية الحركة المؤيدة له حتى الآن حرمته من القدرة على الحلول محل الأحزاب، على هزالها، أو اجتذاب العناصر الديمقراطية فيها. بالنسبة للحزبيين سوف تبدو حركة البرادعى أكثر جذرية مما ينبغى وفى نفس الوقت لا تستطيع أن تحقق طرحها الطموح لمساءلة للنظام السلطوى وآلياته.
مم يتكون جمهور البرادعى إذن؟ تمثل المجموعات التى تحلقت حول البرادعى بهذا المعنى الثانى، أى الديمقراطية غير السلطوية، الليبرالية واليسارية، فى جماعات صغيرة وأفراد ذوى ميول أو حساسيات ديمقراطية. ونظرا لعدم تنظيم هذه القوى أصبح البرادعى بشخصه ومواقفه هو الرابطة التى تربط هؤلاء الأفراد ببعضهم وتنظمهم، حتى فى فترات غيابه وسفره. ومن هنا أصبح لقاؤه بهم نوعا من لقاء راعٍ أو رمز برعيته أو المؤمنين به، أكثر منه لقاء قائد بمعاونيه. ونظرا لافتقار كثير من أنصاره لخبرات سياسية (وهى مسألة تُحسب لحركة البرادعى بقدر ما أنها أدخلت عناصر جديدة إلى المجال العام) وغياب تصور سياسى عام باستثناء المطالب السبعة للتغيير والآفاق الغامضة بشأن أثرها الاجتماعى والاقتصادى، أصبح البرادعى فعليا مفوَّضا من جانبهم فى إجراء مناوراته السياسية، من قبيل تحييد الإخوان أو التفاوض مع عناصر من الدولة أو تدعيم مكانته الدولية.
الحركة الديمقراطية والبرادعى:
“الغموض البناء” إلى أين؟
على هذا النحو يبدو البرادعى واقفا فى مفترق طرق، أو عند نقطة التقاء، وبالتالى انفصال أو تمايز، بين مشروعين: التحديث السلطوى والديمقراطية الجذرية أو حتى الليبرالية. بقدر ما يظل شعار الديمقراطية قاسما مشتركا بين الفريقين، وبقدر ما تظل الحركة فى حدود لا تفرض على النظام تحديات كبيرة، سيظل التمايز بين المشروعين تمايزا نظريا فحسب، أو تمايزا فى التكتيكات لا يستدعى انقطاعا أو مواجهة. هذا الوضع بالذات هو الذى يسمح بما أسماه إبراهيم عيسى (ووافق عليه البرادعى ضمنا فيما يبدو) “الغموض البناء”. يعنى “الغموض البناء” هنا منطقة غير محددة تتراوح بين التفاوض مع الدولة والضغط عليها وتغيير النظام، حسب تطورات الأوضاع. هذا الغموض يعتمد إلى حد كبير على استمرار سيطرة النظام القائم على المبادرة الاستراتيجية حتى الآن، الأمر الذى يجعل غموضه السياسى المتأصل فيه مُعديا. فلما كان النظام السياسى القائم يحكم بطريقة سرية، لا عن طريق مؤسساته المعلنة، تصبح كل أرض يسيطر عليها أرضَ التكهنات والشائعات والاحتمالات الغامضة.
بطبيعة الحال ينعكس هذا الغموض على رؤية البرادعى نفسها. لذلك نجد أنها تتراوح بين الدفاع عن حق الناس فى تنظيم أنفسهم وعن حقوقهم الديمقراطية بصفة عامة، ورؤية أبوية للحركات الجماهيرية، تعتبرها عنصرا مساعدا فى تغيير الوضع السياسى القائم
، لا شريكا دائما فيه. هذا الغموض موضوعى. فمن الممكن أن تتطور الأوضاع فى اتجاه قيام مشروع إصلاحى من داخل النظام تحت وطأة تفكك الدولة، الأمر الذى من شأنه أن يعزز الرؤية الأبوية. وقد يتطور فى الاتجاه العكسى، أى فى اتجاه بناء قوة ديمقراطية متزايدة التنظيم والاتساع، الأمر الذى من شأنه تعزيز فكرة التنظيم الذاتى للسكان عبر أشكال التنظيم المختلفة.
وينعكس هذا الغموض أيضا على علاقة البرادعى بالحركة الديمقراطية، وكذا على تصوراتها عنه. من هو البرادعي: قائد للحركة الديمقراطية – مرشحها المحتمل للرئاسة – رمز من رموز الديمقراطية؟ أم أن هذه الحركة عامل ضغط على الدولة لتفسح طريق الرئاسة له؟ بعبارة أخرى.. هل المشروع هو بناء كتلة ديمقراطية لتتولى السلطة أو تشارك فى إعادة بنائها فى مستقبل ما، أم الاحتجاج الفعال لدفع النظام إلى إدخال إصلاحات سياسية أكثر عمقا تستبق نجاح الضغوط، بما فى ذلك، فى الحد الأقصى، إفساح الطريق للبرادعى؟
فى ظل التوازن الحالى، أى سيادة مبدأ الغموض، الخياران غير منفصلين، ومن المرجح أن يتفاعلا معا بشكل ما. فمنطقيا يمكن أن يصعد البرادعى بسبب تفاقم مشكلات النظام نفسه، أو بسبب نمو الحركة. والأهم أن الوزن النسبى لكلا العاملين لا يتوقف فحسب على نوايا البرادعى ومؤيديه، ومن باب أولى لا يتوقف على نوايا البرادعى وحده، بل هو مشروط بالتوازن الكلى والتفاعلات المعقدة التى تشمل تحركات النظام وقدرته على إفراز مرشح مناسب. هذا التشابك هو مصدر “الغموض” بصرف النظر عن كونه بناءً أم لا. على هذا النحو كان “الغموض البناء” يشكل منذ البداية شرط إمكان لحركة البرادعى الديمقراطية، وهو ما انعكس فى تقديمه لنفسه كمرشح مشروط بإصلاحات معينة للنظام السياسى، ولكن خلف هذه النقطة ينعدم الوضوح: ما هى “شروط تحقق هذه الشروط” إن جاز التعبير؟ وعلام يجب أن تراهن الحركة المؤيدة للبرادعى. وينطبق نفس السؤال على طرحه لفكرة أنه مؤسس حزب محتمل، مشروط أيضا بإقامة حزب بالإخطار، لا عن طريق لجنة الأحزاب.
فى كل الأحوال لا شك أن البرادعى قد أضاف إضافة نوعية للحركة الديمقراطية. فقد ألقى الضوء بقوة على أبسط شروط قيام نظام ديمقراطى بما طرحه من شروط. كما أصبح رمزا للخيار الثالث بين سلطوية النظام والمشروع السلطوى الإسلامى، بتقديم خطاب ليبرالى يتميز بأنه مبدئى وعقلانى. وبرغم أن “البوصلة” مثلا قد بلورت خيارا ديمقراطيا جذريا من قبل، يستوعب ما طرحه البرادعى ويتجاوزه من نواح استراتيجية أساسية، كما ظهرت جماعات ديمقراطية أخرى، فإن البرادعى، لما يتمتع به من حضور إعلامى وجماهيرى أقوى بكثير، طرح هذا الخيار على المجال العام ككل، وليس فقط على بعض الأوساط اليسارية والليبرالية النشطة. من جهة أخرى، من شأن اتساع نشاط الحركة الديمقراطية بقيادته، حتى إذا لم تصل به إلى السلطة (وهو احتمال يصعب وربما يستحيل تقدير إمكانه من عدمه)، دفع النظام إلى اختيار مرشح أفضل، أى أقدر على الاستجابة للضغوط الديمقراطية. وبفرض استمرار مبارك فى فترة رئاسة قادمة سيلعب النشاط المتمحور حول ترشيح البرادعى المشروط نفس الدور حتى الانتخابات الرئاسية بعد القادمة طالما احتفظ بموقعه. فوق ذلك فإن إعادة تدشين الحركة بهذا الأفق الجديد حول البرادعى أقام بينهما علاقة مصير، بمعنى أن أية هزيمة لأيهما تلحق أضرارا كبيرة بالطرف الآخر. لهذا كله يستمر الارتباط الوثيق بين الحركة الديمقراطية والبرادعى فى ظل “الغموض البناء”.
*
ولكن هذا الغموض ليس أرضا محايدة، بل ساحة للممكنات والصراع. يعنينا هنا بصفة خاصة ممكنات العلاقة بين الحركة الديمقراطية والبرادعى. وفى مناقشات “البوصلة” برز تصوران بشأن هذه العلاقة، يمكن أن نسمى الأولى بقدر من التبسيط فكرة البرادعى كمرشح ديمقراطى للرئاسة، والثانية فكرة البرادعى كقائد للحركة الديمقراطية.
وفقا للتصور الأول، تتمثل الإضافة الحقيقية التى يستطيع البرادعى أن يقدمها للحركة الديمقراطية فى تقديم نفسه كمرشح للحركة للرئاسة. فهذا هو الذى جعله فى بؤرة الضوء، وهو الذى جذب أنصاره. وبدلا من أن يشترط أن يطلب منه الشعب المصرى الترشيح، عليه أن يؤكد أنه سيسعى بكل قوة لتغيير شروط الترشيح بما يسمح بتقدمه والتعرض لاختبار الثقة الشعبية، أى لزيادة الثقة فى جدية ترشيحه. وفقا لهذا التصور، يجب على البرادعى أن ينخرط كلاعب فى اللعبة السياسية القائمة كممثل لهذه الحركة، الأمر الذى لا يتسق مع موقفه السلبى من الأحزاب القائمة (وفقا لهذه الرؤية). كما يجب عليه أن يدعم الحركة الديمقراطية بأن يكف عن تقديم نفسه كمرشح توافق وطنى، ليقدم نفسه كمرشح محتمل للتيار الديمقراطى، ويناضل بقوة من أجل تحقيق أهداف هذه الحركة. بغير هذه المجموعة من الاقتراحات قد يؤدى موقفه إلى تسريح الحركة الملتفة حوله، لأنها ستتصور، أو تتصور قطاعا
ت منها، أنه سيحقق هدفه بالاعتماد على اتصالاته الخاصة، ليصبح دورهم ثانويا بقدر ما يتصورون أنهم مشجعين أو مؤيدين لرئيس سيأتى عبر قوى أخرى.
كذلك يجب ألا يقف البرادعى فى مواجهة النشاط الديمقراطى المعتاد، فلا ينادى على سبيل المثال بمقاطعة الانتخابات، أو يهاجم الأحزاب، الأمر الذى يعنى دعوة البرادعى للتعامل مع فكرة المرشح المشروط بشكل تكتيكى، لا كمبدأ مقدس، وصولا لأن يطرح نفسه مرشحا إذا لم تتحقق الشروط. لأنه بخلاف ذلك قد تجد الكتلة الديمقراطية المؤيدة له نفسها خارج ملعب الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وقد تجد أمامها مرشحين يرفعون شعارات ديمقراطية، من أيمن نور إلى رئيس حزب الوفد، مثلا. هذه الإمكانية، الواردة تماما بالذات فى حالة ترشيح حسنى مبارك، تعنى بالنسبة لهذه الرؤية أن يفقد البرادعى دوره فى تحقيق الزخم للحركة الديمقراطية، الذى بدأ بأن طرح نفسه مرشحا قويا للرئاسة.
أما الرؤية الأخرى، أو الإمكانية الأخرى، فترى أنه برغم أن منطلق حركة البرادعى هو طرح نفسه كمرشح مشروط للرئاسة، فإنه فى واقع حركته نظَّم حوله بوادر كتلة ديمقراطية غير مسبوقة فى حجمها وفى جدتها كعناصر جديدة تدخل إلى ساحة العمل العام، وما زالت فى حاجة إلى جهد كبير ووقت طويل حتى تكتسب شكلا وثقلا. وبالتالى فإن علاقة الحركة بالبرادعى يجب ألا تركز على مجرد كونه مرشحا محتملا للرئاسة، وهو وضع ليس منظورا أن يستمر لأكثر من سنة (وقد يتجدد لاحقا)، بل على العكس، عليها أن تعتبر هذا الوضع الاستثنائى مجرد لحظة فى عملية يقودها البرادعى لبناء كتلة ديمقراطية تُدرك بشكل واقعى أنها لا تستطيع بذاتها أن تدعم فى المدى المنظور مرشحا قويا للرئاسة، برغم الضعف البادى للنظام فى مسألة الخلافة. ولما كانت عملية بناء حركة ديمقراطية طويلة المدى فإنها يجب أن تعتمد على دعم مصداقيتها منذ البداية، وهو ما يتطلب فى المقام الأول التمسك بشروط الترشيح التى طرحها البرادعى، أى التمسك تحديدا بمشروطيته باعتبارها موقفا ديمقراطيا جذريا من النظام. ويمكن القول، وفقا لهذه الرؤية، بأن الترشيح بدون شروط من شأنه أن يُضعِف الحركة بشدة مع هزيمة كبيرة للبرادعى فى حالة ترشح حسنى مبارك، وبصفة عامة فى كل الحالات التى يبقى فيها تحالف السلطة سليما. وبناء على ذلك يكون الأفضل للحركة الديمقراطية أن تحافظ على مصداقيتها بعدم دخول معارك خاسرة بحجة أن انتخابات الرئاسة فرصة لا تعوض للدعاية. فالجمهور يدرك جيدا طبيعة النظام القائم وقدراته، ويستطيع أن يستشعر وجود اللحظة المناسبة من عدمها.
فى ضوء هذه الاعتبارات يكون المسار الآخر الممكن هو تطوير الزخم الذى دشنه ترشيح البرادعى المشروط إلى بناء تنظيمى، تطالب فيه الحركة الديمقراطية البرادعى بالتحول تدريجيا من رمز لها إلى قائد مسئول فى إطار تنظيمى يطور حركتها وسط جمهور يتجمع حولها كحركة منظمة تدعم فكرة الديمقراطية بشروطها، بصرف النظر عن تحقق هذه الشروط قبل موعد الانتخابات الرئاسية من عدمه. وبصفة خاصة ربما يجب على الحركة بقيادة البرادعى أن تتجه بشكل واع إلى تكوين القوة الكافية لإعلان نفسها كحزب بطريقة الإخطار، أى بشروط ديمقراطية، حين تصبح المواجهة مع النظام لتغيير الخريطة السياسية ممكنة.
بطبيعة الحال هاتان الرؤيتان كإمكانيتين لا تستنفذان حالة الغموض المميزة للبنية السياسة المصرية. ولكنهما مطروحتان فى سياق الحوار الدائم والضرورى بين البرادعى والكتلة المؤيدة له والتى تنشط باسمه من أجل تغيير النظام السلطوى أو إجباره على التغير، والحوار داخل هيئة تحرير “البوصلة”. وهذا المقال بمجمله، والذى أتى ثمرة مناقشات جماعية فى “البوصلة”، مساهمة فى هذه المناقشة حول ومع البرادعى، ومن داخل الحركة الديمقراطية.
البوصلة

