لن يكون الدكتور محمد البرادعي مرشحاً للإجماع الوطني. من خلال مقارنة الحالة المصرية مع تجربتي
الهند وجنوب أفريقيا – المولع بهما البرادعي – ومع تجربتي تشيلي والبرازيل – التي يعتقد كاتب هذا المقال أنهما يحملان بعض اوجه الشبه مع حالتنا المصرية، يرى الكاتب أن التمايز داخل المعارضة، وبروز جناح ديمقراطي جذري وحركة عمالية مستقلة، هي شروط لا غنى عنها من خروج مصر من دائرة الاستبداد السياسي.
يشير الدكتور البرادعى فى الكثير من حواراته، كما يحيل غالبية أنصاره، إلى تجارب النضال ضد الاستعمار البريطانى فى الهند أو النضال ضد العنصرية فى جنوب إفريقيا كسوابق تاريخية على ما تصبو إليه حملة الدكتور البرادعى، سواء من حيث الاستراتيجية الحركية أو الوجهة الذى تنوى انتهاجها. كما لا تفوت البرادعى فرصة دون إبداء الإعجاب بزعماء تاريخيين كغاندى أو نيلسون مانديلا، أو زعماء من التاريخ الوطنى المصري كسعد زغلول مثلاً. تتسم هذه التجارب التاريخية، كما هو معلوم، بتدخل جماهيرى حاسم سلمى الطابع تقوده جبهات وطنية تحت زعامة لا تنازع فى شعبيتها لتفرض حزمة من شروط بمثابة أجندة للإجماع الوطنى على أنظمة سلطوية تمثلت فى إدارات استعمارية أو أنظمة فصل عنصرى تمهيداً للإطاحة بها فى نهاية المطاف. على الرغم من الدور المهم التى تلعبه تلك الإحالات فى رد الاعتبار لمحورية الحركة الجماهيرية فى النضال الديمقراطى فى مواجهة الميول الانقلابية الشعبوية/ القومية داخل معسكر المطالبين بالديمقراطية فى مصر، إلا أنها تؤدى فى نظرنا إلى ترسيخ أوهام قد تعرقل تبلور استراتيجيات واقعية للقوى الديمقراطية تسهم فى دعم تميزها وتحقيق أهدافها على المدى البعيد. فنجاح عملية التحول الديمقراطى الذى عم ثلثى الكرة الأرضية تقريباً مع نهاية ثمانينيات القرن الماضى لم يكن ممكناً بدون فرز حاد وبلورة سياسية وتنظيمية فى معسكر القوى المطالبة بالديمقراطية فى مواجهة بعضها البعض قبل الشروع فى تشكيل جبهات وطنية أو التوافق حول منافسين محتملين للقيادات الحاكمة فى هذه البلدان، بل إن هذه الزعامات الجديدة نفسها كانت أقل كاريزمية من المتوقع وأبعد ما تكون عن طراز القادة الوطنيين ذوى القبول العابر لمختلف القوى السياسية. بل إن تراجع هذا التصور عن النضال الديمقراطى نفسه شكل مقدمة لاغنى عنها لصعود الحركات الإجتماعية وانتزاعها لمكان مستقل فى المجال السياسى خارج كافة أشكال الوصاية باسم النضال الوطنى أو باسم استكمال مهمات التحديث. هذا الفرز مثّل عادةً حلقة أساسية فى مسار التحول الديمقراطى الطويل والمعقد وكان بمثابة الشرط اللازم لتشكيل توافق وطنى حول ترتيبات الانتقال إلى مرحلة ما بعد السلطوية.
ستحاول هذه المداخلة تحليل بعض جوانب هذه التحولات الديمقراطية على الصعيد العالمى، مع التركيز على وعى المعارضة الديمقراطية بمكانتها ودورها وعلاقتها بغيرها من الحركات الإجتماعية وعلاقة ذلك بدفع النضال الديمقراطى من عدمه. وهى أمور عادة ما يتم إغفالها فى خضم الإحالات الحماسية للهند وجنوب إفريقيا على أن نترك مهمة مناقشة ظاهرة البرادعى نفسها لمداخلة أخرى فى هذا العدد. بخلاف مناقشة سريعة لتجارب الهند وجنوب إفريقيا سنركز على خبرة أميركا اللاتينية، وبالتحديد الخبرتين الأهم فى البرازيل وتشيلى. فهذه التجارب تقدم خبرات ثرية لتحول ديمقراطى ارتكز بشكل شبه كامل على نضال جماهيرى طويل النفس فى ظل دعم دولى محدود، إذا ما قورن بالدعم الدولى لتجارب أوروبا الشرقية أو جنوب إفريقيا على سبيل المثال، وفى مواجهة نماذج ليبرالية جديدة للنمو الإقتصادى أدت إلى اتساع أفق هذه النضالات لما هو أبعد من انتقال السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة، وعبر محاصرة كافة أشكال الوصاية على الحركة الجماهيرية الصاعدة، المر الذى يكسب هذه السياقات بعضاُ من الشبه مع حالتنا المصرية. إلا أننا نشدد على أن مناقشة هذه التجارب لا تستهدف المقارنة الشاملة لإشكاليات التحول الديمقراطى بين السياقين- إذ تكتنف هذه المقارنة صعوبات منهجية جمة- بقدر ماتستهدف إعادة النظر فى التصور الشائع عن عملية التحول الديمقراطى بالمجمل وتحدى تصور الكثير من وجوه النضال الديمقراطى فى مصر عن مكانتهم ودورهم عبر مناقشة مصادر إلهامهم نفسها.
(1)
ماذا نعنى بدايةً بالتحول الديمقراطى؟ يمكن النظر لعملية التحول الديمقراطى، أو المقرطة، كتعبير عن جدل بين ديناميكيتين. الديناميكية الأولى تتمثل فى النضال لإعادة تأسيس الشعب، وهو وحدة سياسية عابرة للتمايزات الاجتماعية والسياسية، كمصدر للسلطات فى مواجهة الرؤى الكوربوراتية التى لا ترى فى هذا الشعب إلا مجموعات مصالح متباينة تتم تلبيتها عبر علاقة غير سياسية مع أجهزة الدولة، أو في مواجهة أشكال من الوصاية الدينية والقومية التى ترهن ممارسات الإرادة العامة بتحقيق أهداف تاريخية محددة. أما الديناميكية الثانية فتتمثل فى مساءلة وحدة الشعب هذه وبلورة التمايزات داخل هذا الجسد الشامل بل والسعى لإكساب هذه التمايزات طابعاً قانونياً ودستورياً. يشكل القبول بالتوتر الدائم بين هاتين الديناميكيتين والانخراط فيما يتمخض عن هذا التوتر من صراعات جوهر الممارسة الديمقراطية. وفى المقابل، يمثل السعى لاختزال هذا الجدل لأحد طرفيه ارتداداً عن الممارسة الديمقراطية نفسها لصالح أشكال من الوصاية باسم الشعب على مختلف مكوناته أو تذريراً للنضال الديمقراطى والمصادرة على تشكيل خطاب عابر للهويات الجزئية.
يبدو الدكتور البرادعى وأنصاره منجذبين للديناميكية الأولى فى مسار التحول المتعلقة برد السلطة للشعب على حساب الديناميكية الثانية والخاصة بنشر التمايز داخل جسد الشعب نفسه. نرى أن طمس هذا الجانب يستند إلى مخيال راسخ يسهم فى تشكيل تصور الممارسة السياسية بشكل عام والنضال الديمقراطى بشكل خاص وأدوار مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين فى هذا النضال. تشكل هذا المخيال خلال الحقبة شبه الليبرالية والممتدة من إقرار دستور 1923 وحتى ثورة يوليو 1952. اتسمت هذه الحقبة بتصاعد نفوذ فئة ملاك الأرض واندماجها مع شرائح رأسمالية متنوعة لتشكل برجوازية مصرية تسعى للسيطرة على جهاز الدولة بالتحالف مع فئة المتعلمين التى هيمنت على المشهد الأيديولوجى المصرى طوال القرن الماضى. أخضع هذا المخيال المسألة الديمقراطية لمقتضيات التحديث أو النهوض الوطنيين، أى التركيز على بعد واحد من أبعاد الممارسات الديمقراطية وهو البعد المتعلق بتأسيس حيز للمواطنة يتجاوز تحكم السلطات الدينية والمجتمعية المختلفة لصالح بناء أمة حديثة تهدف للتحرر من الاستعمار واللحاق بالغرب. تظهر قيادة البرجوازية لهذه الأمة بوصفها أمراً طبيعياً يشكل الانحراف عنه استثناءاً ينبغى تقويمه لعودة الأمور لنصابها. وبالتالى تخضع الحركة الجماهيرية المستقلة الناشئة فى حيز المواطنة ذاك لوصاية دائمة للتأكد من عدم خروجها عن ضفاف المسار الوطنى التحديثى. وهذا المخيال وإن كان وثيق الصلة بالنزعة الأبوية التى ميزت أيديولوجيات الهوية التى ورثت جهاز الدولة بدءاً من 1952، إلا أنه يتميز عنها من حيث رغبة البرجوازية فى الحكم كطبقة بشكل مباشر وهو ما يستدعى استنادها إلى شكلٍ ما من أشكال التفويض الشعبى، الأمر الذى يفتح هامشاً لحركة جماهيرية مستقلة وإن كان مسارها محدداً سلفاً.
لم تبدى هذه الكتلة البرجوازية كثير اهتمام بمسألة تقديم نفسها كقوة سياسية من بين قوى متنافسة ولا تقبل إلا بالتمثيل الكامل لعموم الشعب المصرى. فحزب الوفد على سبيل المثال، صاحب الأغلبية الساحقة خلال الحقبة شبه الليبرالية لم يتخل يوماً عن إدراك ذاته كجبهة وطنية جامعة أكثر من كونه حزباً سياسياً ليبرالياً. تمثل هذا النزوع فى غياب اى برنامج مكتوب للحزب أو بناء تنظيمى متماسك خلال ثلاثين عاماً. كذلك تراوحت مواقف الحزب من الحركات النسائية أو العمالية الصاعدة فى ذاك الوقت مابين السعى للاستيعاب أو فرض الوصاية المباشرة. غنى عن الذكر أن هذا المخيال قد تراجع فى البداية لصالح طبعات مختلفة من أيديولوجيات الهوية التى تمتع فيها جهاز الدولة بمكانة متميزة وحاسمة فى مسار هيمنة البرجوازية على حساب المجال السياسي، ثم شهد هذا المخيال مزيداً من التراجع مع تحول البرجوازية إلى أوليجاركية تسعى للحكم دونما توسط من مجال سياسى تعددى. ومن ثم، يمكن تحليل خطاب البرادعى بوصفه محاولة إحياء لهذا المخيال الوطنى الدستورى بعد أن تخلى عنه حامله التاريخى. فى هذا السياق كذلك يمكن تفسير افتتان البرادعى، وغالبية أنصاره، بتجارب الهند وجنوب إفريقيا، فكلتا التجربتين تمثلان ما هو أبعد من قيادة عملية تحول ديمقراطى- إنها تجارب شهدت اختراع أو إعادة بناء أمة ووضعها على مسار نهضة وطنية شكلت الديمقراطية أحد أهم أركانها، وزعماؤها ليسوا مجرد سياسيين حزبيين أو ثوار حالمين، إنهم رجال دولة statesmen بكل ما تحمله الكلمة من مضامين وإحالات…هم زعماء يترفعون عن السياسة اليومية إذ أن تفويضهم الشعبى وجدارتهم تتجاوز صراعات المجال السياسي….إنها زعامات وإن كانت تتمتع بتفويض شعبى إلا إنها تتحرك على هدى من اتساق أخلاقى وحس بالمسئولية يتجاوز هذا التفويض. وهكذا تسهم الإحالات إلى تجارب النضال الديمقراطى على الطراز الهندى أو الجنوب إفريقى فى ترسيخ إدراك ملتبس لمسألة الديمقراطية بالمجمل ضارب بجذوره فى تاريخ تشكل الدولة الوطنية المصرية.
هذا الإدراك الملتبس، سرعان ما ينتج العديد من التناقضات بمجرد انتقاله إلى دائرة الفعل. فالبرادعى يطالب الحركة الجماهيرية الصاعدة أن تنأى بنفسها عنه على أن تسعى إليه فى ذات الوقت. وهو يطالبها بالكف عن التمسك بالشعارات الكبرى وربط النضال الديمقراطى “بلقمة العيش” ولكنه ينفر من الطابع الفئوى لحركات الاحتجاج الاجتماعى- كما عبر عن ذلك بوضوح فى لقائه الأول مع منى الشاذلى ثم فى لقاءه مع مجموعة من متطوعى حملته فى 20 يونيو الماضى-. وهو يؤيد نضالات العمال وغيرها من الشرائح الاجتماعية ولكنه يشدد على أن البرلمان يجب أن يكون ساحة للنخبة للتداول بشأن مسار التحديث- كما صرح فى حواره الشهير مع مجدى الجلاد- وهى أمور لا ينبغى أن تُترك لأهواء العامة. باختصار يريد البرادعى حركة شعبية تنمو بمعزل عنه وتتعالى على تمايزاتها وتناقضاتها السياسية والاجتماعية على وعد بأن تبايعه زعيماً لها فى النهاية. فهل يسهم هذا الاضطراب فى بلورة استراتيجية نضال ديمقراطى ناجح؟
لن نستفيض فى مناقشة هذه المتناقضات، إذ يخصص العدد مقالاً منفصلاً لتحليل صعود ظاهرة البرادعى ومساراتها المحتملة، ولكننا سنقتصر على مناقشة مصادر إلهامه نفسها، والتى تمر أغلب التحليلات عليها مرور الكرام. فى هذا السياق، نطرح السؤال البديهى- هل سارت الأمور فى تجارب التحول الديمقراطى الرئيسية كما تشتهى سفن البرادعى؟ وهل توجد سوابق تاريخية متعددة تكفى لدعم تصوراته عن النضال الديمقراطى؟ تتطلب الإجابة على هذا السؤال تأملاً معمقاً لتجارب التحول للديمقراطية التى عمت ثلثى العالم تقريباً خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضى وعدم الاقتصار على تجربتين تاريخيتين مهما بلغت أهميتهما.
(2)
لنبدأ بنماذج البرادعى المفضلة فى الهند وجنوب إفريقيا لنرى هل سارت الأمور على النحو الذى يقدمه الكثير من أنصار البرادعى أم لا. من ناحية أولى، لسنا فى حاجة إلى التذكير أن غاندى ومانديلا هم زعماء سياسيون لم يحوزا على هذه الهالة من القداسة إلا فى نهاية مطاف نضالهما وليس بدايته. وقد انخرط الاثنان كساسة على مدار زمنى طويل فى دعم التمايزات من داخل وحدة الشعب تلك عن طريق بناء طيف واسع من الأشكال المؤسسية لترث الإدارة الاستعمارية أو إدارة الفصل العنصرى. فتجربتا المؤتمر الهندى والأفريقي من حيث كونهما “مؤتمرات” كانتا أقرب لتحالفات تضم حركات اجتماعية ونخب ومؤسسات تعبر عن مصالح لم تكن متطابقة فى أى يوم من الأيام حتى لو التقت حول هدف أو شعار جامع. يعى الدكتور البرادعى هذه الحقيقة بالطبع، ولكنه لا يبدى اهتماماً بالمرحلة التى سبقت تبلور هذه التحالفات واستمرت معها، وهى المرحلة التى كانت تتمايز فيها وحدة الشعب وتتباين مصالحه. أما الزخم الجماهيري والهالة التاريخية التى ميزت كلتا الزعامتين فقد نتجا عن جملة من العوامل التاريخية التى أفضت باستراتيجية المأسسة تلك إلى طريق مسدود، فكان العصيان المدنى فى الهند فى بداية الأربعينيات وانتفاضات المدن، الممزوجة ببعض النشاط المسلح، مع إتمام التحول لنظام فصل عنصرى كامل عام 1949 فى جنوب إفريقيا. ناهيك عن أن الحالة الأخيرة، أى العودة الثانية لحزب المؤتمر الأفريقي ليتصدر مشهد النضال ضد العنصرية، اقترنت بسعى الأخير لتمييز منهجه عن باقى القوى الفاعلة فى الحركة وفى القلب منها الحزب الشيوعى الجنوب أفريقى وإتحاد العمال الأفريقى، بخلاف الحركات الأكثر راديكالية كمنظمة الوعى الأسود وغيرها. بل إن مانديلا كشخص لم يتمتع فى أى وقت من الأوقات بهذا الإجماع أو التفويض الغير مشروط الذى تتحدث عنه وسائل الإعلام وهيئات الأمم المتحدة. فنجاح الرجل كان رهناً بفرز منهج “المؤتمر” عما عداه والذى أسفر عن القبول بالانتخابات وعدم ملاحقة رموز نظام الفصل العنصرى أمام هيئات قضائية ذات قرارات لها قوة القانون وتفكيك المحاكم الشعبية التى تشكلت غداة انتهاء إجراءات الفصل العنصرى، وهى جميعها خطوات كانت محل نزاع. أى أن كلا من غاندى ومانديلا، على مدار تاريخهما الطويل، لم يكونا ليحوزا هذا الإجماع المشروط بغير الارتكان إلى قاعدة تنظيمية واجتماعية واضحة. فماذا عن التجارب الأقل شهرة والتى أثرت بدورها فى مسار النضال الديمقراطى على الصعيد العالمى؟
يشكل تحول الغالبية العظمى من بلدان أمريكا اللاتينية إلى الديمقراطية أحد النماذج الكلاسيكية لنجاح نضال ديمقراطى طويل فى الإطاحة بطبعات مختلفة من السلطويات العسكرية والبيروقراطية. تحفل هذه التجارب بالدلالات التى تدعم أطروحتنا. سنركز لاعتبارات المساحة على التجربتين الأشهر فى السياق اللاتيني، وهما تجربة تشيلى وتجربة البرازيل. لنبدأ بتشيلى. قفز الجنرال بينوشيه إلى السلطة عام 1973 بانقلاب عسكرى مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الإطاحة بحكومة الرئيس سلفادور ألندى المنتخبة ديمقراطياً وذات التوجهات الاشتراكية. كذلك سعى الانقلاب إلى تصفية الحركة العمالية والاجتماعية الواسعة وما ارتبط بها من منظمات يسارية راديكالية كانت تضغط على حكومة ألندى لتجذير توجهها الاشتراكى. اتسمت الفترة الأولى من حكم بينوشيه بدرجة غير مسبوقة من القمع انتهت إلى تصفية جسدية شبه كاملة للكتلة الديمقراطية فى المجتمع ككل، فقد بلغ عدد حالات الإعدام أو الاختفاء غير القانونى ما يقرب من 35 ألف حالة مع نهاية العام 1977 على وجه التقريب، أى فى غضون أقل من خمس سنوات من عمر الانقلاب. إلا أن دفع النمو الرأسمالى مع نهاية السبعينيات فى ضوء نموذج ليبرالي جديد وتحت قيادة نخبة محافظة اجتماعيا وسياسياً عرفت باسم “أولاد شيكاغو”، تعبيراً عن تماهيها مع أفكار مدرسة شيكاغو النيو-كلاسيكية فى الاقتصاد، أدى إلى انبثاق عفوى لحركة عمالية واحتجاجية واسعة النطاق ومتنوعة فى تكوينها وأهدافها. من ناحية أخرى، كان ارتفاع معدلات النمو فى المراحل الأولى من مسار التحرير الاقتصادى والتحسن النسبى فى أحوال الطبقة الوسطى، على العكس من أحوال الطبقة العاملة وفقراء المدن، دافعاً لتخفيف قبضة العسكر المباشرة على الحكم والإدارة اليومية لدولاب الدولة. تحول هذا التخفيف إلى اقتناع بضرورة تصفية الأوضاع الاستثنائية التى خلقها انقلاب 1973 وإلا ستجد سلطة العسكر نفسها فى مواجهة متجددة مع حركة اجتماعية صاعدة بعد مرور أقل من عقد واحد على انقلابها. تبلور هذا السعى فى إقرار دستور جديد عام 1982 يسمح بتعددية مقيدة تقتصر بالأساس على الأحزاب السابقة على الانقلاب باستثناء الحزب الشيوعى. حدد الدستور الجديد كذلك فترة انتقالية قوامها خمس سنوات تنتهي عام 1988 باستفتاء على اسم مرشح عسكرى للرئاسة تعقبه انتخابات رئاسية فى حالة عدم حصوله على غالبية الأصوات. كان المرشح العسكرى هو نفسه الجنرال بينوشيه بالطبع ولم يكن أحد يتخيل فى هذا الوقت إمكانية خسارته للاستفتاء.
اقترن الانفتاح المقيد هذا بعودة القوى السياسية التقليدية إلى المشهد. تميزت تلك المرحلة بنفوذ واضح لليمين المسيحى نتيجة تحطيم اليسار خلال السنوات الخمس الأولى من عمر الانقلاب، ثم سرعان ما التقت هذه القوى بواقع جديد يتميز بتعبئة اجتماعية واسعة قوامها حركات عمالية واجتماعية غير مسيسة وحركات معارضة حقوقية أو مدنية وسياسية لا تمت لأنصار الديمقراطية السابقين من أنصار ألندى بصلة، وإن كانت محجوبة عن الشرعية. بعبارة أخرى، كان المشهد يحمل بعض ملامح الحالة المصرية من حيث الخلل فى الأوزان النسبية داخل معسكر المعارضة وانفصال تلك الأخيرة بالمجمل عن حقائق جديدة فى الواقع، وإن كان يختلف عنها فى حجم هذه القوى واتساع نطاق فعلها بالطبع، كما أن التزام اليمين المسيحى بالديمقراطية لا يمكن أن يقارن بمواقف التيار الإسلامى الغامضة، وإن كانت هذه نقطة سنعود إليها فيما بعد.
كان الاختيار الأول للقوى المطالبة بالعودة للديمقراطية شبيهاً جداً بتصورات حركات التغيير المصرية- مرشح واحد يحظى بإجماع الحركة الاجتماعية والسياسية الصاعدة، يقود حملة شعبية تطيح ببيونشيه فى الاستفتاء ثم يخوض انتخابات 1989 كمرشح إجماع وطنى. إلا أن التجربة العملية أثبتت أن إدارة العلاقة بين هذه الروافد الثلاثة المتنوعة- المعارضة القديمة، الحركة الاجتماعية، المعارضة الجديدة- والتي كان من المفترض أن تشكل جبهة موحدة أو حتى إدارتها داخل كلٍ من هذه المعسكرات على حدة كان مسألة بالغة التعقيد. على سبيل المثال، لم يكن من الممكن التوفيق بسلاسة بين مطالب الحركة العمالية ورؤى الديمقراطيين المسيحيين التى كادت أن تتطابق مع توجهات نظام الانقلاب فيما يخص السياسات الاجتماعية ومستقبل النمو الرأسمالى. على الجانب الآخر، لم يكن من السهل تجاوز مناخ الارتياب بين قوى اليسار والديمقراطيين المسيحيين، إذ أن الأخيرة كانت تُحمّل انفراد فصائل اليسار بالسلطة خلال فترة حكم ألندى، واندفاعها “غير المحسوب”، مسئولية تدخل العسكر. فى المقابل لم يكن اليسار لينسى أن انقلاب بينوشيه قد تمتع بتأييد سلبى من قبل الحزب الديمقراطى المسيحى فى ذاك الوقت وزعيمه “باتريشيو أليوين”، رئيس مجلس الشيوخ حينذاك.
مع عام 1986 وصلت المحاولات لتشكيل جبهة موحدة للمعارضة التشيلية إلى طريق مسدود. كنتيجة لهذا الانسداد اتخذ النضال ضد الديكتاتورية منحى آخر، تمثل فى محاولة القوى السياسية المختلفة دعم استقلالها التنظيمى وبناء قاعدتها الانتخابية المستقبلية وتميزها البرامجى مع حصر العمل الجبهوى مع باقى قوى المعارضة فى حدود التنسيق المشترك بهدف صياغة دستور جديد دون أن يعنى ذلك الاتفاق على مرشح واحد لرئاسة الجمهورية أو الاتفاق على محتوى هذا الدستور الجديد. على الجانب الآخر، كان صعود الحركة العمالية كفاعل مستقل فى تشيلى ما بعد بينوشيه مرهوناً بدعم استقلالها تجاه باقى القوى السياسية حتى لو كانت هذه الحركة تتسم بميل طبيعى تجاه اليسار. هذه البلورة كانت الشرط الذى سمح ببناء توافق مؤقت حول “إليوين” زعيم الديمقراطيين المسيحيين، وهو الرمز الذى لا يحظى بالإجماع أو القبول الكاسح نتيجة دوره فى انقلاب بينوشيه، كمرشح لانتخابات 1989. هذه البلورة وفرت مناخاً من الثقة فى النفس ووضوحاً للنفوذ الحقيقي للقوى السياسية ولمطالبها وقدراتها مما ساهم فى التخفيف من أجواء الارتياب التى أعقبت الانفتاح المحدود فى 1983، كما خلق هذا التمايز سياقاً من التوازن المتبادل بين هذه القوى وبعضها البعض بعد أن اتسم المجال السياسي بهيمنة شبه كاملة للديمقراطيين المسيحيين. ومن ثم ارتكن “إليوين” فى هذه الحالة على تأييد مؤسسات وقوى منظمة منحته تأييداً مشروطاً بضمان تمثيلها فى المجال السياسي الجديد- كان أحد أهم هذه الشروط بالطبع عودة الحزب الشيوعى وغيره من قوى اليسار الراديكالي إلى الحياة السياسية الشرعية مرة أخرى.
ما حدث فى البرازيل كان شبيهاً بما حدث فى تشيلى. فقد كان الهدف الرئيسى لانقلاب 1965 هو وضع حد لتجذر الحركة العمالية
والسياسية فى البرازيل والتى كانت تندفع يساراً كباقي بلدان أميركا اللاتينية. إلا أن النظام العسكرى فى البرازيل لم يبلغ فى دكتاتوريته وقمعه المبلغ الوحشى الذى بلغه بينوشيه، إذ لم يكن التهديد اليسارى بالقوة التى مثلها فى تشيلى بعد انتخاب ألندى. فقد ابتدعت سلطة الانقلاب نظاماً مكوناً من حزبين شرعيين أحدهما موال للعسكر وقوى اليمين القومى وهو (حزب إعادة البناء الوطنى)، والآخر يجمع كافة مكونات الطيف الديمقراطى بالمعنى الواسع للكلمة من الاشتراكيين الديمقراطيين إلى اليمين الليبرالى وهو حزب (الحركة الديمقراطية البرازيلية). تنافس الحزبان فى ظل غابة من التشريعات الاستثنائية التى تضمن هيمنة الجيش على قواعد اللعبة فى نهاية المطاف. سمح ذلك الوضع بدرجة ما من الاستمرارية للنخب السياسية البرازيلية لم تُتَح لمثيلاتها فى تشيلى، باستثناء حالة الحزب الديمقراطى المسيحى كما أسلفنا. إلا أن هذه الاستمرارية لم تكن لتعنى قدرة ما لهاتين القوتين التقليديتين على احتواء أو تمثيل قوى اجتماعية وحساسيات مدنية وسياسية جديدة أخذت فى التنامي منذ بداية الثمانينيات. فى هذا السياق، شجعت معدلات النمو المرتفعة على الطراز الليبرالى الجديد، كما هو الحال فى تشيلى، النظام العسكرى على بدء خطوات انفتاح محدود تحاشياً لمواجهة جديدة مع الحركات الاجتماعية الصاعدة. تسارعت صيرورة هذه الإجراءات مع بدء الثمانينيات حتى وصلت إلى إجراء أول انتخابات رئاسية محصورة بين الحزبين الرئيسيين فى العام 1985 على أن يعقبها قانون جديد منظم لنشأة الأحزاب السياسية وكتابة دستور جديد للبلاد.
إلا أن الحالة البرازيلية قد اختلفت عن مثيلتها التشيلية من حيث كون الانتخابات الرئاسية لم تشكل محطة حاسمة فى مسار التحول الديمقراطى. فانتخاب “خوسيه سارنى” للرئاسة ممثلاً لحزب الحركة الديمقراطية علم 1985 شكل ضربة البداية لسلسلة من التفاعلات التى ستنتهي بوصول “فرناندو كاردوسو” للسلطة فى عام 1995. تمثل التحدى الأهم أمام القوى الديمقراطية فى البرازيل فى وضع نهاية للهيمنة الفعلية للعسكر على مجريات اللعبة السياسية والتى استمرت على الرغم من إقرار الدستور الجديد والتعددية الحزبية. فبانتهاء فترة حكم سارنى الانتقالية تم انتخاب مرشح حزب إعادة البناء الوطنى، ممثل العسكر حتى ذاك الوقت، “كلورو دى ميلو” للرئاسة فى عام 1989. كان وصول “دى ميلو” للسلطة بمثابة نكسة لمسار التحول الديمقراطى وإيذاناً ببدء مرحلة جديدة للنضال بهدف تصفية السلطوية. مرة أخرى لم تنجح استراتيجية الجبهات الوطنية ومرشحى الإنقاذ فى تقديم بديل يعتد به لمرشح العسكر. على العكس من ذلك، أدت الوتيرة المتسارعة لتحولات ما بعد عام 1985 إلى تفكيك حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية، والذى مثّل جبهة للقوى الديمقراطية القائمة بالفعل حتى ذلك الوقت. كما هو الحال فى تشيلى، كان الصعود الملفت للحركة العمالية وسعيها للاستقلال التنظيمى والسياسى وصعوبة إدارة الخلافات مابين قوى يسار الوسط واليمين الليبرالى سبباً وراء سعى أطراف هذه الجبهة إلى العمل المنفرد بهدف نحت مكان فى المجال السياسي البرازيلى قد يؤدى على إعادة بناء الجبهات الديمقراطية على أسس أكثر رسوخاً. فى هذا السياق، غادرت غالبية الأجنحة اليسارية بزعامة كاردوسو حزب الحركة الديمقراطية لتؤسس الحزب الاشتراكى الديمقراطي الأقرب لتوجهات يسار الوسط بالمعنى المتعارف عليه أوروبياً. فى المقابل اتخذت الحركة العمالية منحى أكثر جذرية تمخض عن تأسيس حزب العمال البرازيلى والذى دفع بمرشح قوى وهو “لولا داسيلفا”- الرئيس البرازيلى الحالى- لمعركة 1989 على رأس ائتلاف لقوى اليسار الراديكالي. هذا التمايز والفرز فى معسكر القوى الديمقراطية بشكل عام وفى معسكر اليسار على وجه الخصوص هو ما سمح بالعودة للعمل المشترك بهدف إسقاط حكومة “كلورو دى ميلو” على خلفية اتهامه بالفساد عام 1992، وهى اتهامات لم تكن لتتجسد فى صورة إجراءات عملية ضد “دى ميلو” أخذاً فى الاعتبار ارتكانه إلى الجيش. ومن ثم كانت الحملة الناجحة، والتى شارك بها مجمل الطيف السياسي الديمقراطى، لإسقاط “دى ميلو” بمثابة الحلقة الأخيرة فى مسار تصفية نفوذ العسكر.
كان على كاردوسو الانتظار إلى عام 1995 ليصل إلى موقع الرئاسة. خلال هذه الفترة تولى كاردوسو عدة مناصب وزارية فى حكومة “إيتامار” نائب دى ميلو، والذى استكمل مدته الرئاسية. يُجمع المراقبون على أن وصول كاردوسو للسلطة كان علامة على استقرار ترتيبات التحول الديمقراطى فى البرازيل والتى نجح كاردوسو خلال حكمه فى ترسيخها. على الرغم من ذلك لم يكن كاردوسو مرشحاً للإجماع الوطنى أو زعيماً لأغلبية كاسحة. على العكس ، نجح كاردوسو بفارق بالغ الضآلة فى مواجهة منافسه التقليدى “لولا” فى انتخابات 1995، واتسمت فترة حكمه التى شهدت إتمام إجراءات التحول الديمقراطى باستمرار تجذير الصراع الاجتماعى فى البرازيل واشتداد ساعد الحركة العمالية وغيرها من الحركات الاجتماعية واتساع رقعة نفوذ اليسار الراديكالي. بل إن هذا التجذير نفسه سرعان ما اعتُبر مؤشراً حاسماً على استقرار إجراءات التحول فى البرازيل وليس العكس.

( 5 )
فى الحالتين التشيلية والبرازيلية أسهم التمايز فى معسكر القوى الديمقراطية والبلورة التنظيمية والأيديولوجية فيما بينها فى إسقاط الديكتاتورية وتفكيك هيمنة العسكر على المدى البعيد. وفى الحالتين لم نشهد قطيعة واضحة على هيئة انتفاض جماهيرى أو ما شابه، بل سلسلة من التحولات التى لم تؤد فقط لتحلل سلطة العسكر بل والحيلولة أيضا دون فرض وصاية برجوازية على الحركة الديمقراطية والجماهيرية الصاعدة. يمكن القول بأن تجربة التحول الديمقراطى فى أمريكا اللاتينية كانت فى أحد أوجهها تفكيكاً دءوباً للهيمنة السياسية والإيديولوجية لبرجوازيات هذه البلدان دفعتها دفعاً إلى السعى للحكم أو الهيمنة الإيديولوجية عبر مجال سياسى تعددي بعد أن ارتكنت بعض قطاعاتها إلى الحكم العسكرى المباشر أو التماهى مع الخطاب الوطنى الشعبوى أو حتى الانحطاط إلى أساليب الأوليجاركية فى الحكم من وراء المجال السياسي بالمجمل. وفى الحالتين لم نشهد تشكيل جبهات وطنية تقودها زعامات كاريزمية ملهمة، بل كان “بروفيل” هذه الزعامات متلائماً مع طبيعة دورها الانتقالي والذى لا يقتضى نفوذاً جماهيرياً لا ينازع بقدر ما يقتضى توافقاً على برنامج عمل محدد سلفاً. بل ولم يكن ظهور إن هذا الطراز من الزعامات الجماهيرية ممكناً فى ظروف الاستقطاب الحادة التى أعقبت سقوط الديكتاتوريات، كما لم يكن مرغوباً فيه، إذ تمثلت أحد أهم ميكانيزمات التحول فى هذه السياقات فى السعى لتفكيك التقليد الوطنى/ الشعبوى الراسخ فى تاريخ أمريكا اللاتينية. لا ندعى أن تجاوز الشعبوية كان ناجزاً فى أمريكا اللاتينية، فقد عادت القيادات الشعبوية على طراز تشافيز فى فنزويلا وموراليس فى بوليفيا منذ بداية الألفية كعلامة على تجذر هذا التقليد واستعصاؤه على التحلل. ولكن لا يمكن تجاهل الأثر الإيجابي لتحييد هذا الميل خلال فترة التحول نفسها، الأمر الذى فتح الطريق أمام ترسيخ تعددية حقيقية فى المجال السياسي للبلدين يصعب تجاوزها تحت خطاب وطنى جامع. هذا الوجه من النضال الديمقراطى هو الذى فتح الطريق أمام صعود تنويعات مختلفة من اليسار إلى السلطة فى هذين البلدين، وفى الغالبية الساحقة من بلدان أمريكا اللاتينية، مع بداية الألفية.
أدرك الفوارق الحاسمة بين سياق التحول الديمقراطى فى أمريكا اللاتينية وسياق النضال الديمقراطى فى مصر. فمن ناحية أولى، يبدو تبلور حركات اجتماعية كفاعل مستقل فى السياسة المصرية هدفاً بعيد المنال، كما أن الكتلة الحاكمة لا تبدى أى قدر من الاستعداد لبدء إجراءات انفتاح تسمح بدخول فاعلين جدد للمجال السياسي، على الأقل خلال حياة الرئيس مبارك. ومن ناحية أخرى، لا يمكن مقارنة التبلور والتجذٌّر التاريخيين للتجربة الحزبية فى تاريخ غالبية بلدان أمريكا اللاتينية بهشاشة مثيلتها فى مصر. كما لا يمكن مقارنة المواقف الغامضة التى تبديها الحركات الإسلامية على اختلاف تنويعاتها بإيمان الديمقراطيين المسيحيين بالديمقراطية فى أمريكا اللاتينية. على الرغم من ذلك، أرى أن عوامل الاختلاف تلك قد تعزز جدوى هذه الأطروحة. فمن جهة أولى، تبدو المعارضة التقليدية على حالة من الضعف والتردى والعزلة عن الحساسيات الديمقراطية البازغة تثير التساؤل عن جدوى الاستغراق فى التنسيق معها وفيما بينها من الأصل. من جهة ثانية، يمثل الخلل الفادح فى موازين القوى بين المعارضة الإسلامية وغيرها من القوى السياسية عامل ضاغط بشكل دائم على تلك الأخيرة باتجاه مزيد من التمايز السياسي الإيديولوجى وإلا تحولت تلك القوى إلى أسرى فى جبهات تدعم موقف الإخوان المسلمين فى المساومة مع النظام القائم فى التحليل الأخير دون مكاسب واضحة. من ناحية ثالثة وأخيرة، لا يترك تماسك الكتلة الحاكمة وسيطرتها المطلقة على دولاب الدولة أى أوهام بشأن إمكانية منافسة مرشحها، أياً كان، فى انتخابات حرة ونزيهة، أو إجراء انتخابات نزيهة أصلا. ومن ثم يثور التساؤل عن جدوى المساومة على بعض ملامح الخطاب الديمقراطي الذي طرحه البرادعى فى بداية ظهوره، خصوصاً تلك الأبعاد المتعلقة بعلاقة الدين بالدولة، إذا كان باب المنافسة الجدية مغلقاً. على سبيل المثال، لماذا يتحاشى البرادعى الخوض فى أى مناقشة تفصيلية لمستقبل المادة الثانية من الدستور وما إذا كانت النية متوجهة للإبقاء عليها أو تعديلها أو استبدالها بأى صياغة أخرى؟ ولماذا يصر البرادعى على انطلاق فعالياته الجماهيرية من دور عبادة إسلامية؟ ولماذا اختار البرادعى الكاتدرائية لطمأنة الأقباط؟ وهل يعنى التنسيق مع الإخوان المسلمين تحاشى نقد خطاب الجماعة وممارساتها على مدى ثلاثة عقود وهى الممارسات التى ساهمت فى حصار الحساسيات الديمقراطية والمدنية فى المجتمع المصرى؟
يبدى البرادعى سعياً لا تخطئه العين للنأى بنفسه عن تقاليد الجبهات الوطنية التى استمرت لثلاث عقود، ولكنه لا يبدى استعداداً مماثلاً لقيادة كتلة سياسية واضحة المعالم تبدو فى طور التشكل. المسافة بين هذا النأى والإحجام تساوى المسافة بين إيمان القوى الوطنية الدستورية بأولوية التفويض الشعبى ونفورها العميق من الممارسة السياسية بالمجمل. ولكن فى المقابل، تنبئنا الخبرة اللاتينية أن لا أمل للبرادعى فى قيادة تجربة تحول ديمقراطى ما لم يقطع هذه المسافة ويشرع في تمييز كتلته عن ما عداها من القوى المطالبة بالديمقراطية فى مصر، وإلا سيسهم البرادعى فى إعادة إنتاج الغموض العام والتشوش المهيمنين على الجدل بشأن الديمقراطية، وهو الغموض الذى يدعم انصراف الناس عن السياسة بالمجمل وقد يسهم فى ترسيخ الانطباع السائد عن شخص البرادعى كمخلّص “يعرف لقدمه قبل الخطو موضعها” ولا يحتاج إلى مشاركة الناس فى مسعاه للترشح لرئاسة الجمهورية، وهو تحديداً ما يرفضه البرادعى بشكل لا يحتمل التأويل. هذا التحديد سوف يسهم فى دعم التحول الديمقراطى، بغض النظر عن طبيعة خطاب هذه الكتلة- والذى قد يتخذ منحىً ليبرالياً على المستويين السياسي والثقافى ومنحىً محافظاً على المستويين الاقتصادى والاجتماعى- إذ سيقترن ذلك للمرة الأولى برفع الوصاية عن الطبقات الشعبية والإقرار بحقها فى تنظيم أنفسها فى صيرورة صراع طبقى مفتوح.
لا ندفع البرادعى وأنصاره إلى الخضوع لإجراءات “الإذعان” التى تحكم تأسيس الأحزاب السياسية فى مصر. فتأسيس حزب سياسى لا يعنى بالضرورة السعى للحصول على موافقة لجنة شئون الأحزاب. كما أن تنظيم كتلة من الأنصار تحت راية مبادئ واضحة وأهداف محددة بدقة قد لا يتخذ بالضرورة شكل الحزب السياسي فى هذه اللحظة، إذ قد يقتصر على دعم الصلة بين التجمعات التى التفت حوله فى شكل حملة دعاية لترشيحه أو ما شابه، وهو ما يقتضى نشاطاً مؤسسياً كإنشاء فروع لهذه الحملة على أسس نوعية أو جغرافية تدير طيفا واسعا من الفعاليات التى تحيي ثقة الناس فى الممارسة السياسية بشكل عام وتمد جسور الثقة مع جيل جديد من النشطاء الديمقراطيين لا يسمع عنهم الناس إلا فى وسائل الإعلام. ناهيك عن أن توضيح مناطق الغموض فى خطاب البرادعى نفسه لا يقتضى بناءً تنظيمياً من أي نوع بقدر ما يقتضى وضوحاً وحسماً ميز خطاب البرادعى فى البداية قبل عودته لمصر وانخراطه فى حديث الجبهات والتفويض الشعبى الكامل.
ندرك بالطبع أن القبول بهذه الاستراتيجية المقترحة ليس مسألة إرادية الطابع أو خاضعة للإقناع. فقبول المتعلمين المصريين من أنصار الخطاب الوطنى الدستورى بحقيقة كونهم ممثلين لأقلية من البرجوازية المصرية بمختلف شرائحها وأقلية، أكثر ضآلة، من عموم الشعب المصرى يمثل تحدياً للمخيال الوطنى الدستورى الراسخ لقرن ونصف من الزمان على وجه التقريب. تتوقف حدة هذا التهديد، كما حاولنا أن نشرح خلال هذه المداخلة، على طبيعة علاقات القوى السائدة وصيرورة الصراع الطبقى. ولمّا كانت موازين القوى تؤشر إلى هشاشة واضحة فى نفوذ وخطاب الحركة العمالية والجماهيرية الصاعدة تجعلها عاجزة حتى هذه اللحظة عن التمثيل المستقل فتصبح مهمة نقد هذا المخيال ملقاة على عاتق النخب اليسارية والديمقراطية الجذرية، على هامشيتها، والتى ترى فى ظهور البرادعى، رغماً عن كل التحفظات، بارقة أمل يعتد بها. ولكن ربما كان واجباً على دعاة الديمقراطية الجذرية بدورهم الاقتناع بمحدودية نفوذهم وطبيعة موقعهم على هامش النضال الديمقراطى حتى هذه اللحظة دونما أوهام تتجاوز حدود تأثيرهم…. فمن هذا الهامش بدأنا مداخلتنا وإليه نعود فى ختامها.

