text-align:right; text-align:right;

سبتمبر ٢٠١٠

عن ترجمة الأدب الإسرائيلي، أو كيف نقرأ قاتلنا

نائل الطوخي  

الجميع يباركون ترجمة الأدب الإسرائيلي، ولكن في الواقع، لا أحد يترجم شيئا. 

التوجس هو النبرة المناسبة، ففكرة ترجمة الأدب الإسرائيلي – للمفارقة – دوما ما تقابل بترحيب من قبل المثقفين، لكونه نافذة على عقلية العدو، ومع ذلك، يمكن القول أنه ترحيب غير مرتاح. يتسرب عدم الارتياح هذا إلى سائر النبرات، يسيطر عليها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى لا شيء. المترجمون لا يترجمون – أو يتم استيعابهم في الخطاب المهيمن – ودور النشر لا تنشر، والقارئ لا يعرف. 

لنبدأ من المشكلة التقنية، أو التي تبدو كذلك، في عملية الترجمة، فواحدة من المشاكل المعقدة هي مشكلة حقوق الملكية، وهي لم تحضر سوى في السنوات الأخيرة، حين بدأت الكثير من دور النشر المصرية والعربية في احترام الحقوق. المشكلة هنا هي أن التعامل المباشر مع دار نشر إسرائيلية يعد كذلك فعلا تطبيعياً، بما فيه حتى الطلب من الناشر الإسرائيلي التنازل عن حقوقه. وفق هذا المفهوم، تصبح أية ترجمة عن العبرية تطبيعاً، إلا عن طريق القرصنة على حقوق الملكية، وهو ما يبعد دورا بعينها عن مجال الترجمة، مثل المركز القومي للترجمة أو دار الشروق المصريين. الحل الالتفافي هنا يكمن في الترجمة عن لغات وسيطة، وهو ما لا يثمر في أحيان كثيرة نتائج جيدة. بالمناسبة، حين أثيرت قضية ترجمة الأدب الإسرائيلي في السنة الماضية – في إطار حملة وزير الثقافة للترشح لرئاسة اليونسكو – تم اقتراح هذا الحل – أي الترجمة عن لغات وسيطة وعن دور نشر أوروبية، لتفادي مشكلة “التطبيع“. وهو ما شكا منه المترجم حسين سراج الذي قام بترجمة رواية الكاتب الإسرائيلي إيلي عامير “ياسمين” إلى العربية، وصدرت في دار نشر مصرية اسمها “ابن لقمان”. اقتبس موقع العربية عن سراج أنه: “اعترض على ما وصفه بالأسلوب “الالتفافي” الذي تتبناه وزارة الثقافة المصرية في ترجمة الكتب الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الوزارة وافقت على ترجمة هذا النوع من الكتب ولكن عن طريق لغة أخرى “وسيطة” كالفرنسية أو الإنكليزية، ووفقاً لأبسط قواعد الترجمة المتعارف عليها بين جمهور المثقفين، فالترجمة من اللغة الأصلية للعمل “اللغة الأم” تنقص من جوهر العمل خاصة الأدبي، فما بالنا بالترجمة عبر لغة وسيطة، مما يؤكد أن عدم صلاحية أسلوب وزارة الثقافة المصرية في التعامل مع قضية ترجمة الأدب العبري. ” الطريف أن سراج – في التباس جديد يضاف لمفهوم التطبيع – قد زار إسرائيل خمساً وعشرين مرة كما قال، ولكنه مع هذا لا يعتبر زيارته “تطبيعا”، يقول في نفس التقرير أنه: “حريص على عدم التطبيع معها، فالزيارات تتم في إطار العمل المهني، وقد يقول قائل إن هناك قرارات من نقابة الصحافيين المصرية تقضي بحظر التطبيع المهني والشخصي والنقابي مع الدولة العبرية، إلا أنني أرى أن معنى حظر التطبيع المهني هنا يُقصد به ألا أكون مراسلاً لصحيفة إسرائيلية، أو أقوم بالكتابة فيها.” 

*** 

هناك مشكلة أخرى، تكمن في  اختيار المادة المترجمة أصلا، فالترجمات المقبولة عن العبرية هي ذات طابع سياسي أو فكري/سياسي. سواء لاعتبارات تجارية أو لاعتبارات مبدئية، فإن الكثير من دور النشر ترفض ترجمة كتب من مجالات أخرى، أو على الأقل تتوجس منها، وتطرح أسئلة لا تطرحها على المترجمين من سائر اللغات، منها مثلا: “ما جدوى ترجمة النص الأدبي الإسرائيلي؟”، أو “لماذا تغفلون – يا معشر المتحمسين –  البعد السياسي في الترجمة؟”، أو “نريد الترجمة مع الحذر من السقوط في فخ التطبيع”. دوما ما يتم تصوير طرفي النزاع (المتوجسين من الترجمة والمتحمسين لها) في قسمين، القسم الأول يرى الترجمة ترويجا لأدب العدو، والقسم الثاني يرى أن الأدب عابر للحدود والجنسيات والصراعات السياسية. ويسقط بين هذين القسمين من يرون ثمة قيمة معرفية للأدب، أي أدب، حتى لو كان أدب “الجماليات المجردة”، وأنه لهذا السبب بالتحديد فإن ترجمة الأدب الإسرائيلي هي عملية مهمة، وهي عملية ذات شق سياسي بارز أيضا. أي، بكلمات أخرى، فأن الترجمة بوصفها فعل معرفي يتم تجاهلها هنا، ما بين رؤية الترجمة كعملية “ترويج” لأدب العدو الإسرائيلي، أو رؤيتها كعملية “ولع” بأدب الجار الإسرائيلي. 

بعد ذلك تبدأ المشكلة الأكبر، بعد انتهاء الترجمة، وهي وجود خطاب متنام في العالم العربي يتوجس من ترجمة الأدب العبري. أريد هنا التركيز على تجربة ترجمة رواية عاموس عوز “قصة عن الحب والظلام” والمنشورة في دار الجمل وقام بترجمتها جميل غنايم. وقتها أعدت جريدة الأخبار اللبنانية ملفا عن هذا العمل وعن عوز بشكل عام. في افتتاحية الملف قال الصحفي بيار أبي صعب، ومن المثير تتبع تصاعد النبرة المرحبة وصولا إلى النبرة التخويفية: “ليس في ملفنا هذا أيّ نزعة تخوينية أو تكفيرية. إنه محاولة لتوضيح بعض المسائل الأساسيّة، ودعوة هادئة إلى التفكير والنقاش، مع احترامنا لناشر تميّز بنوعيّة إصداراته التي تجرّأت غالباً على المحظور الفكري والاجتماعي. أما تجاوز الثوابت الوطنيّة فمسألة أخرى: هل المطلوب أن نقلع عن اعتبار إسرائيل عدوّاً؟ وأن نعيد قراءة تاريخنا من منظور الرواية الصهيونيّة؟” 

إنها نفس النبرة. نبرة “نحن نشجع على معرفة هذا الأدب، ولكن إياكم وتجاوز الحدود.” وهو ما يطرح عددا من الأسئلة: “ما علاقة تجاوز الثوابت الوطنية بترجمة الأدب الإسرائيلي”، ناهيك عن السؤال أصلا عن ماهية هذه الثوابت الوطنية ومن بيده تحديدها. 

كتب عباس بيضون مقاله الأسبوعي في صحيفة السفير عن الرواية، ذكّر فيه بأن الترجمة عن العبرية ليست عملا جديدا في حد ذاته، وانتقد الرواية وصاحبها، عاموس عوز، وهو ما دفع أبي صعب لأن يشيد بمقاله قائلا في الأخبار اللبنانية: “يذكّر عباس على طريقته بأن «قصة عن الحب والظلام» ليست مجرّد رواية إسرائيلية، بل إنها الرواية الصهيونيّة الرسمية لقيام إسرائيل. رواية قائمة تحديداً على قتل الآخر، عبر إلغاء الفلسطيني ومحو ذاكرته ووجوده وتاريخه. السؤال إذاً: كيف نترجم قاتلنا؟ وكيف نقرأه، الآن وهنا؟” 

وسواء كان المقصود بـ”كيف نترجم قاتلنا”، السؤال الاستفهامي أم الاستنكاري، فإن وصف موضوع الترجمة بـ”قاتلنا”، ونسبته لـ”نا” المتكلمين، يضعنا في عملية تحديد مسبق للإطار الذي تتم الترجمة من خلاله. يصبح علينا التعامل – من خلال الترجمة – معه كقاتلنا، لا كشخص له هواجس ورؤى قد لا تتعلق بـ”نا” و بـ”قتلنا”، أحيانا. ليس علينا معرفته، وإنما علينا رؤية أنفسنا، ورؤية عملية قتلنا من خلاله. 

الشاعر والصحفي نجوان درويش يكتب في نفس الملف إنّ مسألة ترجمة عاموس عوز وغيره من الكتّاب الصهاينة إلى العربية كما تثار الآن، تحوي افتعالاً على أكثر من مستوى. ويشير إلى قصة ترجمة مبادرة فاروق حسني بترجمة الأدب الإسرائيلي في إطار سعيه لرئاسة اليونسكو، يضيف: “بالطبع، مُني فاروق حسني بفشل خلال انتخابات الأونيسكو. وبقيت قصة عوز وغيره ورقةً يمكن أطرافاً أخرى أن تلعب بها، عن جهل حيناً وعن مصالح وسوء طويّة أحياناً.” الجهل وسوء الطوية هما الدافعان الوحيدان اللذان يدفعان لترجمة “الكتّاب الصهاينة”، لا يمكن أن يكون هناك أي بعد معرفي في الترجمة، كما يقرر. 

ويضيف في جملة مفتاحية: “بالطبع، قصة فاروق حسني وصدور الرواية الجديدة، فرصة مناسبة لإثارة عشق بعض «الليبراليين» العرب بـ«يسار» إسرائيلي غير موجود في الواقع. ” 

أعتقد أن المشكلة الأساسية في هذا الخطاب هو تصوره الترجمة نوعا من الاحتفاء والترويج، وإلا ما مناسبة ذكر “عشق بعض الليبراليين العرب بيسار إسرائيلي غير موجود في الواقع”؟ يتم تجاهل الترجمة كفعل معرفة، أو محاولة معرفة، ويتم تجاهل القراءة كفعل نقد، أو محاولة نقد. لا أحد يلومنا إن ترجمنا هيدجر لكونه نازيا، ولا أحد يتهمنا بالترويج للنازية، كما أن لا أحد يتهمنا بالنازية إن تمت ترجمة كتاب “كفاحي” لهتلر. أعتقد أن تصور الترجمة فعل ترويج لأدب بعينه، وليس معرفة له، هو البداية الخاطئة التي توجه التوجس من هذا الأدب. 

بالطبع، لنجوان بعض الحق، فيما أعتقد. هو لم ينطلق من فراغ. بعض التواقين والمشتاقين إلى ترجمة الأدب الإسرائيلي، وهذه قصة شخصية، يقعون في نفس الخلط. على مدار العام ونصف الماضيين وأنا ألتقي الكثيرين من  المحتفين بنصوص قرأوها من الأدب الإسرائيلي. والتأكيد دائما هو ذاته: “هذا نص إنساني للغاية”، ليس نصا جيدا، أو معقدا، أو رديئا أو سطحيا. دائما ما يكون النص إنسانيا، وكأن بهذا التوصيف يتم دفع تهمة مسبقة عن الإسرائيلي، وهي تهمة غياب الإنسانية، وبهذه المناسبة، فأحد الاتهامات الموجهة لترجمة هذا الأدب هو “أنسنة العدو”، وكأن عدونا لا يمكن له أن يكون عدونا إلا إذا انتفت عنه الصبغة الإنسانية، أو كأن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع بين قوى غيبية، وليس صراعا له جذوره المادية وامتداداته في الواقع. 

غياب الرؤية النقدية هذا يدل على أشياء أبعد، أنه حتى المحتفين بترجمة الأدب الإسرائيلي لم يتخلصوا من عقدة ذنب مسبقة وهم يقرأونه، وبالتالي فمن الصعب جدا الخروج بأشياء مهمة عن هذا الأدب، طالما أن الموضوع مازال محصورا بين من يريدونه إدانة الأدب الإسرائيلي، ومن يريدون الدفاع عنه، وطالما أن الموضوع لم يصل بعد إلى من يريدون معرفة هذا الأدب، ونقده انطلاقا من معرفته. هذا يزيد المشكلة تعقيدا. 

مقال عبده وازن في جريدة الحياة عن نفس الرواية والروائي جاء أكثر تركيباً في رأيي، وذلك بسبب تعدد نبراته، غير أنه لم يفلت من نفس الخطأ القاتل، وهو “تجاهل البعد المعرفي للأدب”، يكتب وازن قائلا: “قرأت عاموس عوز في ترجماته الفرنسية وأحببت أعماله الروائية وسأظل أقرأ كل جديد له، ليس سعياً إلى معرفة أدب العدو بل للمتعة والاستئناس. “ 

بعد هذه الفقرة الترحيبية التي تدشن للأدب بوصفه “متعة” وليس أي شيء آخر، يكتب وازن عن عوز نفسه، قائلا: “عاموس عوز لم يمكنه إلا أن يكون يسارياً، وقد ساهم في تأسيس حركة “السلام الآن” الإسرائيلية، وفي صوغ شعاراتها السلمية. وهو نادى مراراً بضرورة قيام دولتين، واستنكر قتل الأطفال، فلسطينيين وإسرائيليين. ومعروف عنه إدانته الدائمة لأعمال إسرائيل العسكرية ضد الفلسطينيين واللبنانيين، لكنه في حرب تموز (يوليو) 2006 هاجم “حزب الله” واصفاً إياه بـ “المعتدي” على المدن والقرى الإسرائيلية، كما كتب في مقالة له نشرتها مجلة “الاكسبرس” الفرنسية غداة الحرب الشرسة على لبنان. وأذكر مقالة له نشرتها صحيفة “الشرق الأوسط” عام 2002، وعنوانها “كل هذا القتل غير ضروري”، ويعرب فيها، على ما أذكر، عن رغبته في أن تقض أشباح الأطفال القتلى، الفلسطينيين والإسرائيليين، مضجعي شارون وعرفات. وطبعاً لم يفته، هو المسيّس بامتياز، أن شارون كان مجرماً كبيراً وأن عرفات كان يملك حق الدفاع الشرعي عن أرضه المغتصبة. وهذا التغاضي أو التجاهل يذكّر بما يُسمّى “كذبة” اليسار الإسرائيلي الذي أشبعنا “بكاء” على “الضحايا” و “الأطلال”، وبعض اليساريين الاسرائيليين شاركوا في حرب 1948 وحرب 1967 وما تلاهما… إنهم “يساريون ولكن…” كما بات يقال. وهذه الـ  “لكن” باتت مرفقة بصفة اليسار الإسرائيلي وكأنها جزء منها.” 

أي أنه برغم إعلان وازن أنه لا يقرأ الأدب إلا للمتعة، وليس للمعرفة، فهو يضطر للحديث عن السياسة، مع خطأين كبيرين في رأيي، أولهما هو تناول السياسة من خلال مواقف الروائي، وليس من خلال أدبه، كأنه بهذا يعيد التأكيد على غياب أية قيمة معرفية للأدب، بالإضافة إلى اختزال مواقف عوز السياسية في علاقة دولة إسرائيل بالعرب، أي، العمى عن رؤية السياسة في مواقع أخرى: انحياز عوز للعلمانية مثلا، واحتقاره لليهود المتدينين، انحيازه للثقافة الغربية لإسرائيل، وليس لثقافة اليهود الشرقيين، ويضاف إلى هذا بالطبع، رؤيته العرب في سياق استشراقي محض، قتلة أو مغتصبين أو أدوات جنسية هائجة.  

في نفس الوقت، يبدو الشاعر يوسف بزي منتميا إلى المعسكر النقيض لإدانة ترجمة الأدب الإسرائيلي، يدافع بصحيفة المستقبل عن الرواية، التي اقتناها لتوه، قائلاً: “قراءتها ستساعدني على نسيان التدخين الممنوع في الطائرة. السجال التافه حول “التطبيع” وطبع الرواية باللغة العربية، عن دار الجمل في بيروت، قابله نقد متسرع للرواية وللروائي لم يرقَ إلى مستوى “القراءة”. إذ ماذا يعني أن نتّهم عوز بأنه إسرائيلي!”

 لاحظ بزي في الفقرة السابقة تركز النقاش حول ترجمة الأدب الإسرائيلي – بغير حق – في خانة “التطبيع” من عدمه، ولكن حماسه جعله يغفل أن النقاش لم يستهدف عوز لكونه “إسرائيليا”، وإنما لكونه “الصوت الإسرائيلي”، أو بحسب تعبير أبي صعب الذي نقله عن بيضون فإن الرواية هي ” ليست مجرّد رواية إسرائيلية، بل إنها الرواية الصهيونيّة الرسمية لقيام إسرائيل”. هذه هي النقطة الأكثر تماسكا بين النقاط التي طرحها معسكر من يدينون الرواية، والتي تؤدي – في قياسهم – إلى عدم الحماس لترجمتها. فوق هذا، تفترض جملة بزي أن رواية عوز هي على هذه الشاكلة بما أن كاتبها إسرائيلي، وهو ما يجعله يتغافل عن أعمال أدبية كتبها إسرائيليون ولا تشارك في تأسيس الصورة المعتمدة لإسرائيل، الدولة الغربية البيضاء العلمانية القائمة على الكيبوتس التعاوني، مثل أعمال اليسار الراديكالي، أعمال اليهود من أصول شرقية، أعمال المتدينين اليهود (الحريديم). كلها كتبها يهود إسرائيليون، ولكنها على نقيض رواية عوز، تقدم – بقصد أو من دون – صورة أخرى، أكثر إظلاما، لإسرائيل، المتدينة والأيديولوجية وداكنة البشرة. 

  

*** 

 

ربما كانت المشكلة الأهم المتصلة بترجمة الأدب الإسرائيلي هو كونها تتم، غالبا، تحت مظلة شعار “اعرف عدوك”، ولهذا الشعار فضل كبير على ترجمة الأدب الإسرائيلي، يمكن القول أنه الشعار الوحيد الذي حاز شرعية لترجمة هذا الأدب، ولكن مع هذا، فإن العمل تحت هذا الشعار وحده صار معوقا للترجمة، والتي تم دفعها في اتجاه واحد، ترجمة المواد السياسية والعسكرية والتاريخية (المتعلقة بالنكبة والجرائم الإسرائيلية ضد العرب حصراً)، وهو ما يجعلها ترجمة قاصرة، فعدوك لن تعرفه أبدا إذا ما لم تحط بكل جوانبه، الأدبية مثل السياسية والاجتماعية مثل العسكرية. يضاف إلى هذا، أنك لن تعرف أنه “عدوك” بالأساس ما لم تقرأه، وتقرأه هنا تأتي بالمعنى الأوسع، تسمع صوته، تراه، تنصت لدفاعه عن نفسه، وتنصت لهجومه على الآخرين.

4 comments to عن ترجمة الأدب الإسرائيلي، أو كيف نقرأ قاتلنا

  • عشتار

    ” رؤيتها كعملية “ولع” بأدب الجار الإسرائيلي”.
    لم ولن يكون الإسرئيلي جاراً …هوكان وسيبقى كما وصفه بيار أبي صعب وعباس بيضون :”قاتلنا” وال”نا ” هنا تعود إلينا نحن الضحايا الذين ما زلناأحياء ….نحيا حتى الثمالة لكننا أبداًلن نغفرولن ننسى….
    لنعد إلى الأدب هل أصبحت المكتبة العربية مليئة بكل روائع الأدب العالمي ولم يبقى غير الأدب الإسرئيلي….وهل إنتماء الكاتب إلى اليسار أو اليمين يشكل إي فرق؟؟؟هل تستطيع دار نشر إسريئلية أن تترجم محمود درويش دون أن يثير نقاشاًوجدلاً؟؟؟ ثم ما الجدوى من ترجمة الأدب الإسرائيلي؟؟أن نعرفهم أن نعرف وجهة نظرهم ؟؟؟؟شكراً القليل ( الكثير) الذي نعرفه عنهم يكفينا
    أما عن رفض الترجمة عن لغة وسيطة هل يعني ذلك أن الأدب الياباني أو الأفغاني المترجم إلى العربية لم يمرعبر لغة وسيطة؟ واوووووو أنا مبهورة بإجادة المترجمين العرب لكل هذه اللغات ….أرجوكم كفى إستخفافاً بعقولنا

  • شكرا على الرد عزيزتي عشتار. طبعا اختلافي لم تكن على كلمة “قاتلنا” في المجمل، كانت عن عملية تحديد الإطار الذي تضعه الكلمة للترجمة
    المكتبة العربية ليست مليئة بروائع الأدب العالمي، ولكن ترجمة الأدب الإسرائيلي ليست مشروطة بانتظار المكتبة العربية حتى تمتلئ بروائع الأدب العالمي، خاصة أن معرفتنا بالأدب العبري لن تقلل من قناعتنا – مثلا – بالحق الفلسطيني، ولن تقوم بإلغاء إمكانية المقاومة، وبالتالي فليس بها ما يخيف، وإنما ستساعد في فهم (وليس تفهم) هذا الكيان الذي نتحدث عنه ليل نهار بدون معرفته، إسرائيل
    وانا ضد ان تتم ترجمة الأدب الياباني أو الأفغاني عبر لغة وسيطة طالما أن هناك أقساما في الجامعات العربية تقوم بتدريس هذه اللغات وأن هناك عارفين بها، فلا يصح هدر إمكانياتهم، مثلما أن هناك أقساما لتدريس اللغة العبرية في الجامعات المصرية

  • هانى

    الترحيب بترجمة “قاتلنا” يقتصر فقط على الكتابات العنصرية المؤيدة للفكرة المسبقة . و لهذا سرعان ما يتحول هذا الترحيب الى ارتباك عندما لا نجد ما يؤيد هذه الفكرة ما المادة المترجمة . بصياغة أخرى : هذا المعسكر يريد من الترجمة اثبات ما هو معلوم أصلا .

    اصحاب معسكر “انسنة العدو” يتبعون نفس النهج . فهم أيضا يرتبكون عندما تترجم أعمال يظهر فيها عنصرية تتنافى مع العدو الانسان . و بصياغة أخرى : هذا المعسكر يريد من الترجمة اثبات ما يعاكس ما هو معلوم .

    و كلا المعسكرين لديه قناعة بكمال المعرفة لديه – سواء بالقاتل أو بالانسان – و لا يريد من الترجمة سوى ايجاد دلائل يقوي بها وجهة نظره . لا معرفة ولا يحزنون .

  • Amira

    لا اعتقد أن ترجمة الأدب الإسرائيلي ستساهم في تجميل وجه إسرائيل لدى العرب مثلاً، أو إضافة امتداد ما لوجودها، فهي موجودة و ستظل كذلك رغم أنف العرب، و هي راسخة عسكرياً و ثقافياً و علمياً، ربما يرفض العرب الاعتراف بإسرائيل و هذا لا قيمة له، فالعالم المتحضر كله يساند إسرائيل و يعترف بوجودها، و لا حاجة لإسرائيل بأن تتسول رضا الشعوب العربية عنها، و يبقى الادب و الفن و السينما الإسرائيلية إبداعات و مجهودات فردية من هؤلاء المبدعين الذين لا علاقة لهم بالتوجهات السياسية و غيرها، حتى و لو آمنوا في أعماقهم كأفراد بمبادئ الدولة العبرية و شرعيتها، أما بالنسبة للمتلقي العربي، فالعرب كأفراد فيهم المثقفون و الذوّاقة، و هؤلاء لا مشكلة معهم مع الأدب الإسرائيلي، و لست أعني بالمثقفين هؤلاء النخبويون و الإعلاميون، و إنما هو القاريء العادي الذي يقرأ ليتسلى و تتسع مداركه، هذا القارئ موجود و سيظل كذلك، المشكلة ستبدأ حين يخرج ذات القاريء من محيطه كفرد إلى المحيط الديماجوجي الملتاث بالخطاب السياسي و الديني الغث العنصري القبلي المعتاد الذي يتلقاه في وعيه عن “العدو” ، فتصطدم ذائقته بما ينبغي له ان يتلقاه و ما لا ينبغي عليه أن يفعل، المشكلة أن العقل العربي المتردي في تخلفه يتصور أن كل إبداع إسرائيلي هو بالتأكيد موجّه لخدمة سياسات الدولة العبرية، لأنه -أي المتلقي- مواطن عربي تفتح وعيه على حكوماته و نظمه الاستبدادية و هي تسخّر الفنون جميعا في خدمة أيديولوجياتها، و بالتالي فلن يستطيع أن يتخيل بوعيه المحدود أن هذه الإبداعات هي مجهود فردي من فنانين يحملون في أعماقهم شعلة الإبداع. الترجمة ينبغي أن تكون واضحة قوية تتجنب فعل التبرير، فالتبرير يضعفها، “نحن فنانون و لسنا بمطبّعين” إلخ إلخ، و مصطلحات سلبية مثل “الاحتلال” و “الاستيطان”، و “التطبيع” هذه مصطلحات سلبية لا تليق بخطاب قوي واضح يهدف لفهم الآخر و التعايش معه و من ثم تذوقه و الاستفادة من وجوده.

    ربما سيكون من الرائع ألا تتوقف حركة الترجمة من العبرية إلى العربية عند حدود الأدب، و إنما يجب أن تتعداه إلى ترجمات تضرب في عمق تأكيد الوجود الإسرائيلي في المنطقة، ترجمة الكتب المبرّزة في العلوم البيولوجية و الجزئية و السوسيولوجيا و التاريخ و السياسة و سيرة حياة عظماء اليهود، و الأهم في رأيي، أن ينتقل المترجم إلى ترجمة بعض الأفلام الإسرائيلية القصيرة و قصاصات الفيديو كليب إلى العربية، فتأثير السينما أعمق بكثير من الأدب المقروء على جمهور هائل يعاني من أمية ثقافية مروّعة، الانتقال من ترجمة الأدب بوصفه فن النخبة، إلى السينما بوصفها فناً جماهيريا أو بوب آرت، حتى يجد المتلقي العربي نفسه محاطا من كل النواحي بالحقيقة الكاملة، و ليس ببعض الأعمال الرومنتيكية السنتمنتالية في الشعر و القصة.

    تحياتي الخالصة و شكراً على مجهودك.

اترك تعليق