“هل هناك حركة شابة فى مصر؟” لم تعد الإجابة على هذا السؤال أمراً يسيراً، فبلا شك نجحت جماعات من الشباب المصرى فى اختراق هذا الحصار الذى فرضه عليهم الاستبداد عبر تشكيلة متنوعة من الوصاية والترهيب، وخلقوا بدائل لحركتهم ومساحات أكثر رحابة للتعبير عن ذواتهم مستعينين بالفضاء الإلكترونى كآلية مذهلة للاتصال ولمسرح متسع لكل أنواع الإبداع، وكمساحة مناسبة لاختبار الممكن، ولكن لم يتصور أحد أن تصبح ” النت” هى العصا السحرية التى قد تحول هذه التجمعات الشابة إلى حركة حقيقية تتجاوز شوق التعبير عن الذات، وتدفع بالمأزق الشاب إلى المجال العام، لتصبح حاضرة بشدة فى جدل التغيير الدائر. فلقد كان مدهشاً كيف غزت الحركة الشابة المشهد السياسى المصرى، حيث لعب الشباب الدور الحاسم فى منح مبادرة البرادعى زخماً هائلاً وحضوراً كثيفاً، كما نجح الشباب في افتعال معركة فريدة مع النظام والشرطة فى قضية خالد سعيد، لتصبح هذه الحركة الشابة الرافد الأهم والعنصر الأكثر حيوية فى المشهد السياسى المصرى الآني.
بالطبع لم تبلور الحركة بعد هويتها الخاصة، ولم تتمكن بعد من صياغة مواقفها السياسية من أسئلة التغيير الكبرى، ويعود هذا بالأساس إلى رداءة البيئة السياسية المحيطة بها، واستبداد النظام الذى حرمها من
مساحات النمو الطبيعية (الحي والجامعة) وحاصرها فى فضاء افتراضى، فالحركة الشابة لم تجد فى تشكلها تلك ما يُلهمها، فهى لم تجد مجالاً سياسياً حيوياً تتجادل معه وتطور من خلاله، كما حرمها المناخ الثقافى المتردي من بلورة وعي نقدي يصيغ مواقفها، وتحيزاتها وحساسيتها السياسية. ولهذا لم يعد للحركة إلا أن تستمر فى اختبار تصوراتها وقيمها من خلال اشتباكها مع الأحداث المحيطة، وانتقاء ما يتماس منها مع مزاجها لتحولها عبر هذه الشبكات الاجتماعية الإلكترونية ذات الإمكانيات التواصلية والدعائية الهائلة إلى قضايا عامة أو حملات تنجح من خلالها فى خلق مزاج عام حول هذه القضايا يشكل جماعته الضاغطة، كما تنجح من خلال هذه الحملات فى اكتشاف إمكانياتها، بل ذاتها.
فمنذ إضراب 6 أبريل 2008 إلى مقتل خالد سعيد 17 يونيو 2010، ومروراً بقضايا أبسط مثل قضية هبة نجيب مثلا1)، نجحت هذه الحركة فى أن تتشكل داخل الفضاء الالكترونى كما نجحت أن تجد لها مكاناً فى الواقع من خلال قضاياها المنتقاه، والتى فرضتها بقوة على المجال العام، كما كان من المثير هذه الاستجابة الواسعة من الشباب لمبادرة د. البرادعى، هذه الاستجابة التى خلقت زخماً حاداً داخل هذه الحركة، بل قلقاً إن جاز التعبير،. فمبادرة البرادعى قد أثقلت هذه الحركة الوليدة وشغلتها بقيمتين أساسيتين :المدنية والديمقراطية، لتنجح مبادرة د. البرادعى فى استقطاب الجماعة الشابة إلى فلك ديمقراطى ومدنى، مكّن الجماعة من اكتشاف مآزقها فى مساحة أكثر إلهاماً لخيالها وأكثر إرضاءاً لطموحها، وبالطبع كان حادث مقتل خالد سعيد والحملة التى أُنشئت على “النت” للتضامن معه شاهدة على تحول نوعى لهذه الحركة ولقدارتها وملامحها، فلقد استطاعت هذه الحملة استدعاء هذا الطيف الواسع من الشباب المصرى، لتصبح كاشفة عن حركة شابة تشكلت وتبحث عن مكانها، وبالقدر التى ستستطيع به هذه القوى الاستمرار فى اكتشاف قيمها المشتركة وهويتها، بالقدر التى ستصبح به أكثر تعبيراً عن الكتلة الشابة الأوسع، الأمر الذى قد يجعل منها شريكاً حقيقياً -بل وأساسياً- فى معركة التغيير.
شهد العالم فى القرن العشرين موجات من التحركات الطلابية لعبت فيها الجامعات والمدن الجامعية دائماً الدور الأساسي، من حيث كونهما تجمعات لجماعة من الشباب يتعرفون فيها على مزاجهم المشترك الذي يكتشفوه من خلال تجمعهم اليومي ونقاشاتهم المستمرة، كما أن الجامعة – في العصر الحديث – هي المكان والمرحلة التي يُفترض أن يتشكل فيها وعي الشاب علمياً وسياسياً، وتصاغ فيه تصوراته عن العالم والمجتمع، وفي بعض اللحظات هي المكان التي يكتشف فيها الطلبة ضجرهم من المجتمع القائم وقوة جمعهم الغاضب من حيث العدد ومن حيث الانسجام. كما لعبت المدن الجامعية دوراً خطيراً، فمن ناحية تنشأ علاقة ذات طابع خاص بين الطلاب المقيمين داخل المدينة الجامعية، علاقة لو جاز التعبير لها طابع قبَلي، كما أن طلاب المدينة الجامعية يعيشون في ظروف مادية ومعنوية قاسية ناتجة عن اغترابهم المبكر، الأمر الذي يؤدى إلى حالة تضامن واسعة بين أبناء المدن الجامعية في مواجهة المدينة الغريبة المستبدة.
ورث نظام مبارك توجسا خاصا من الجامعة والطلبة. فبعد مظاهرات الخبز 1977- التي حمل السادات جزءاً من المسئولية عنها على الطلبة، ولو بشكل غير مباشر- اتخذ النظام موقفا حاسما من الحركة الطلابية ومن العمل السياسي داخل الجامعة صاغه محمد أنور السادات في لقاء مع المجلس الأعلى للجامعات بعد مظاهرات 1977، حيث استعرض فيه الإضرابات الطلابية منذ 1971، ثم اختتم عرضه هكذا “أنا باقول إضراب …اعتصام… تعطيل للدراسة… عمل البلطجية داخل الحرم ممنوع… استغلال المادة المتفجرة داخل الشباب اللى هم الطلبة لأ.. لا يجب أن تكون في الجامعة مرة أخرى أبدا.. رسائل المعاهد التعليمية هي العلم…مفيش اجتماعات سياسية داخل الجامعة… اللى عايز يشتغل في السياسة يدور على الحزب اللى هو عايزه بره”.
وكان ذلك مؤشرا واضحا على أن النظام قرر بحسم حصار العمل الطلابي داخل الجامعة حيث أعيد حرس الجامعة وقيدت سلطات اتحاد الطلاب وغير هيكله (لائحة 1979) بعد موجة حادة ومتصلة من الحراك الطلابي العاصف منذ انتفاضة الطلبة الأولى سنة 1968. وورث نظام مبارك هذا المنهج في التعامل مع الجامعة، بل أنه ذهب أبعد من هذا في محاولاته الدءوبة لقتل المجال العام برمته وحصار العمل السياسي، بل تعطيل السياسة كآلية لإدارة المجتمع والصراعات والتحفظ على كل القضايا، بل واعتماد الركود كمنهج سياسي تدار به الأمور.
وقد أدى هذا بالإضافة إلى تراجع اليسار تحت تأثير الضربات الأمنية في أواخر السبعينات وتراجع المد الاشتراكي في العالم بوجه عام إلى هيمنة التيار الإسلامي شبه الكامل على الجامعة. وبالرغم من توجس النظام الدائم من التيار الإسلامي ومواجهته نفوذه المتزايد عامة وفي الجامعة من حين لآخر إلا أن التيار الإسلامي المسالم – بعد أن صفي الأمن بحسم أي حضور للجماعة الإسلامية داخل الجامعة – قد خدم النظام خدمة جليلة ولعب دورا مكملاً في قتل السياسة داخل الجامعة وتفريغ العمل الطلابي من روحه المتقدمة والحية واستبداله بالوعظ والدعوة والضبط الأخلاقي: فصل الطلبة عن الطالبات، مواجهة فرق المسرح، تمزيق مجلات الحائط “المنفلتة”، على ح
د تعبيرهم، أي قتل كل منابع الحيوية والإلهام في الجامعة، بل مواجهة أي تيار آخر وفرض مناخ محافظ وكئيب على الجامعة والطلبة.
كما أن الطلبة الإسلاميين (الإخوان المسلمين تحديداً) كانوا – وعلى عكس الحركات الطلابية في الستينيات السبعينيات – يدينون بولاء تام لقياداتهم السياسية خارج الجامعة، ولهذا كان ولاؤهم لحسابات قيادتهم الدقيقة خارج الجامعة أهم من ولائهم لمزاج عامة الطلبة في القضايا العامة والنوعية. ولهذا فأنا ازعم أن نظام مبارك نجح في خلق جامعة يسيطر عليها الأمن والإسلاميين في صيغة أبطلت أي دور سياسي للطلبة إلا في أضيق الحدود، بل ودفعت الطلاب إلى عزوف عام عن السياسة والعمل العام. ومع غياب أي استراتيجية غير أمنية للتعامل مع الجامعة وتطويرها، انهارت الجامعة من حيث كونها مؤسسة تعليمية حقيقية، كما تخلت عن دورها الوطني والسياسي في مجتمع بلا بوصلة، تقتله الاستقطابات الحادة والركود.
بالطبع كانت هناك تحركات طلابية نشطة من حين لآخر داخل الجامعات وداخل المدن الجامعية لها طابع نوعى ومطلبي في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى للتضامن مع القضايا القومية كالتضامن مع الشعب الفلسطيني. ونشطت بالطبع هذه التحركات مع الانتفاضة الأولى والثانية ومع كل مواجهة داخل الأراضي المحتلة. ورغم الحجم الكبير لبعض هذه التحركات إلا أنها كانت في معظم الأحيان عفوية وقصيرة الأمد، ولم تكن هناك أي علامة أن شيئا ما أصيلاً يتشكل داخلها.
وقد تكون الأحداث التي ارتبطت بالتحركات الطلابية خصوصا في جامعة الأزهر دليلاً جلياً على كيفية استغلال التيار الإسلامي لسخط الطلبة وغضبهم النابع من البلادة المحيطة والإحباط ودفعهم إلى تبنى قضايا لا تخصهم بالأساس ولم يكتشفها مزاجهم الخاص. وهنا أود أن أشير إلى حادثتين، أولهما سنة 2000، هذه المظاهرات العنيفة للاحتجاج على إعادة المجلس الأعلى للثقافة طباعة رواية وليمة لأعشاب البحر، والحدث الآخر هو ما سمى بمليشيات الإخوان المسلمين 2006، الذي قدم فيه طلبة الإخوان المسلمين عرضا – اعتبره النظام وكثير من المحللين- عسكريا، ضمن سلسلة من الاعتصامات والتظاهرات بعد فصل خمسة من طلاب الاتحاد لمدة شهر. وفي الحادثتين تم الدفع بالتحرك الشاب إلى مواجهات غير أصيلة وغير محسوبة مع النظام والأمن، وتعرض فيها الشباب إلى مستويات حادة من القمع والعنف، ليظهر جلياً كيف يلعب التيار الإسلامي والأمن دوراً حاسما في إجهاض أي مشروع طلابي حقيقي يساعد الطلاب المأزومين على التعبير عن ذواتهم، وفرض مطالبهم الحقيقية واختبار قوتهم.
مصر الشابة (يجب أن نتخلص من الوقت الميت والعراقيل)
نشأت الأجيال الشابة من أبناء الطبقة الوسطى في الثلاثين عاما الماضية في مجتمع يخنقه الركود، وفي عالم تخلى عن خياله وبدأ يتجه يمينا بثبات، بل وشهدت هذه الأجيال آثار التحول الضخم في ثقافة المجتمع وقيمه، فباتوا يكتشفون خبرتهم الأولى مع الوجود داخل مجتمع جُففت منابع حيويته، وتمكن منه يأس صارم، وغرقت طليعته في بحور الحنين إلى الماضي، وهيمن على مجاله العام خطابات دينيه وقومية متيبسة وكئيبة، مجتمع تتبدل ملامحه وتزداد روحه تحفظا وبلادة.
ظل المجتمع يراوح في مكانه حتى أواخر التسعينيات، حيث حسمت الحكومة توجهها الاقتصادي وانفتح الاقتصاد المصري نسبيا على العالم، وبدأت الخريطة الاجتماعية تضع ملامحها. فلقد تراجعت الطبقة الوسطى الكلاسيكية بشكل ملحوظ مع ظهور ما سمى بالطبقة الوسطى الجديدة التي استفادت بشكل واضح من هذا الانفتاح الاقتصادي على العالم. وبالرغم من استفادة هذه الطبقات الجديدة من سياسات الحكومة الاقتصادية إلا أن هذه الشرائح، وفي عملية تشكل وعيها بمصالحها، قد أنتجت موقفا نقدياً متحفظاً على شكل الدولة المصرية وعلى النظام، موقفاً مشغولاً بالأساس بانهيار الكفاءة مع شعور بعدم الرضا من الاستبعاد السياسي. إلا أن هذه التحفظات لم تتحول أبداً إلى أي معارضة جادة، ولم تذهب أبدا إلى حدود المواجهة.
أما شباب الطبقة الوسطى الكلاسيكية فلقد نشأوا في ظروف أكثر قهراً، في أسر تعانى مرارة حقيقية نتيجة عدم القدرة على النجاة من التهميش الاجتماعي والسياسي الذي لحق بهم، نشأوا داخل أحياء يخنقها الضجر، أحياء تنتمي إلى عصر آخر ومدينة أخرى. كما أنهم أبناء الشرائح الاجتماعية التي ظلت تستفيد من الخدمات العامة للدولة، المواصلات العامة والتعليم العام الخ، هذه القطاعات التي أصابها ترهل بل انهيار حاد في العقود الماضية. وربما يكون التعليم العام والذي استمر تمسك الطبقة الوسطى الكلاسيكية به دليلا على تخلى الدولة عن هذه الشرائح الاجتماعية وعن دورها بوجه عام، فلقد دخل التعليم العام فى عصر مبارك في دوامة تردٍ، بل وانحطاط، وأصبح مرتعا للتخلف والجهالة، ليتحول التعليم المدرسي إلى إحدى أهم محطات قتل الروح والأمل في نفوس التلاميذ، بل أهم مراحل حرمان النشء من اكتشاف أي تشكيلة من القيم التي تساعدهم على فهم وضعهم والوعي بانتماءاتهم الاجتماعية ودورهم المنتظر إن جاز التعبير، لينتقلوا بعد ذلك في الأغلب إلى هذه الشبكة الممتدة من الكليات والمعاهد العامة أو الخاصة التي تفتقد في مجملها لأي توجه أو محتوى، بل تُرِكَت لتكون بيئة مناسبة لكل أشكال الفساد والتحلل.
ومن ناحية أخرى، فإن محاصرة النشاط بوجه عام ومصادرة العمل السياسي بوجه خاص في الجامعات، مع الترهل الجلي الذي طال جميع الكليات حتى ما سمى بكليات القمة – التي كانت لها مكانه خاصة ودائمة داخل الخطاب الرسمي للدولة – لعب دورا في نمو هذا المشاعر الغاضبة عند الشباب، بعد أن فرغت كل مساحات حركتهم من أي إمكانية حقيقية للنمو والتعلم أو التعبير عن الذات أو اختبار أنفسهم كجماعة يجمعها مآزق ما وقيم مشتركة. وكما ذكرنا سلفا، لعب الإسلام السياسي دورا في الاستفادة من هذه الحالة المحبطة لممارسة أشكال متنوعة من الوصاية والابتزاز لخلق شبح كئيب ومحافظ لعب دورا أصيلاً في إحباط أي محاولة جادة لدى الشباب لاكتشاف مزاجهم المشترك وتمثّل قيم أكثر تعبيراً عن مآزقهم.
وبالطبع كان أبناء الطبقة الوسطى الكلاسيكية بعيدين عن النشاط الخيري والنشاط الذي ارتبط بما يسمى بالتنمية البشرية الذي تبنته الطلبة من الشرائح الاجتماعية العليا داخل الجامعات الحكومية، وهو نشاط مشغول بالخلاص الفردي، ومهووس بتنمية المهارات الفردية، نشاط لعب دورا بالأساس في تعزيز مواقع أبناء الشرائح الاجتماعية العليا من الطبقة الوسطى وخلق علاقات وشبكات تلعب دوراً في تقديم هذه الشرائح إلى سوق العمل المتميز والمرتبط بالاقتصاد العالمي، وبالطبع كان هناك استبعاد طبقي للشرائح الأدنى من الطلبة.
ولهذا لم تجد هذه الجماعة في كل ما حولها ما يشبها أو يلهمها أو يتماس مع روحها الشابة، كما أنها لا تمتلك رفاهية النجاة الفردية، فقدرها مرتبط بشكل وطبيعة هذه الدولة التي تزداد ترهلاً ويقل تدريجياً نصيبها من مواردها واهتمامها. ولم يكن هناك سوى هذه التحركات داخل المدن الجامعية والجامعات من حين لأخر لتنم عن وجود هذه الحالة المشاغبة والغاضبة والمكبوتة داخل هؤلاء الشباب. ولم يكن أحد يتصور أن يكون “النت” هو المساحة المناسبة التي سوف تلعب دورا ما في استيعاب طاقة هؤلاء الشباب وضجرهم. ففي غضون أعوام قليلة تحول النت إلى الملاذ الآمن للجمع الهائل من الشباب المصري، إلى الساحة التي يكتشفون فيها ذواتهم ويتبادلون فيها الخبرات ويختبرون فيها أفكارهم ومشاعرهم ومواهبهم. وبالطبع ساعد على هذا النمو المطرد في عدد مستخدمي “النت” في مصر الذي قفز من 250 ألف مستخدم إلى 1.3 مليون مستخدم سنة 2002 ثم قفز إلى 4 ملايين في يناير 2005 ليصل إلى 13 مليونا سنة 2009. وبهذا أصبح النت متاحا بشكل واسع لمعظم شباب الطبقة الوسطى المصرية، مما أعطى الفرصة لأن يلحق الشباب المصري بحركة التدوين الصاعدة في العالم لتضم الآلاف من الشباب من كل أقاليم مصر. كما انضم عشرات الآلاف إلى ما يسمى بالشبكات الاجتماعية (الفيس بوك وتويتر، الخ) لتتحرك قوى شابة عريضة داخل هذا الفضاء المفترض بحثا عن شىء مشترك هروباً من واقع مترد يزدرى الأمل.
وبالطبع كان حتمياً أن يحرض هذا التجمع الحر هذه القوى النامية على الانشغال بالشأن العام. ومع تصاعد موجة الحراك الأول التي ارتبطت بغزو العراق 2003، وصعود حركة كفاية 2005 بدأت هذه الجماعة الشابة تتماس مع هذا الحراك المتزايد، كما قامت بعض المجاميع النشطة بالالتحاق الفعلي بالحراك السياسي مع تحفز وترقب جاد من الجماعة الأوسع، حيث تماس مزاج حركة “كفاية” مع مزاج هذا التجمع البكر الغاضب، ليخلق مزاج كفاية الإطار العام الأولى لتصورات هؤلاء الشباب حول مشروع التغيير الممكن.
وبالطبع كانت الدعوة لإضراب 6 ابريل 2008 هى العمل الأهم والأكثر دلالة على هذه المرحلة، هذه الدعوة التي بدأت على الفيس بوك، حيث أعلن بعض الشباب تضامنهم مع دعوة عمال المحلة إلى الإضراب في هذا اليوم وتحويله إلى إضراب عام. وفي غضون أيام وصل عدد الأعضاء في أحد مجاميع الفيس بوك الداعية للإضراب إلى 70 ألف عضو، حيث نجحت هذه الحركة على النت في خلق حالة عامة في الأيام التي سبقت يوم 6 ابريل 2008 تنبئ بأن هناك شيئاً ما سيحدث قادماً من الغيب إلى الواقع. وفعلاً أنتجت هذه الحالة بدون قصد ولا تخطيط هذه المواجهة العنيفة في المحلة بين الأمن وأهالي المحلة الذين كانوا مستنفرين لأسباب مختلفة تماما لا تمت بصلة لشباب النت. وقد كان يوم 6 ابريل يوما حاسماً فمن ناحية نجح الشباب مصادفة في نقل غضبهم الافتراضي إلى الواقع، كما تنبه الرأي العام والأمن لهؤلاء الشباب وعصاهم السحرية.
وبرغم هذا، لم تستطع هذه الحركة بحالتها الرافضة الغاضبة تلك خلق بوصلة حقيقة ومشروع أصيل يساعدها على النمو. ولم يساعدها مزاج كفاية في خلق النواة لتشكيلة القيم المشتركة التي يمكن أن تلهمها، وتجعلها أكثر تعبيراً عن جماعة الشباب الأوسع وأكثر تمثيلاً لروح التغيير الكامنة في المجتمع، ولم تستطع الجماعة أن ترسم تصوراتها عن المستقبل التى تريده، أو ملامح التغيير الذى يشبهها ويرضى خيالها.
مافيش رجوع يا برادعى
لم يكن أحدا يتصور أن إعلان د. البرادعى عن استعداده للترشح للرئاسة يمكن أن يكون نقطة تحول هامه في مصير هذه الحركة الشابة. ففي غضون شهور استعادت هذه القوى الشابة قوتها بعد هذا التراجع الذي أصابها بعد 2008، بل تضاعفت لنرى جروب البرادعى رئيساً على “الفيس بوك” به ربع مليون فرد معظمهم من الشباب. كما شاركت المجموعة النشطة من هؤلاء في تشكيل الحملة الشعبية لدعم البرادعى. وبالطبع كان مشهد استقبال البرادعى في المطار 19 فبراير 2010 دليلاً واضحاً على أن هناك جماعة شابة تشكلت حول مبادرة البرادعى، وأنها تتعامل معها بدرجة كبيرة من الجدية والانضباط. وربما كان نداء الشباب “ما فيش رجوع يا برادعي” ليس نداءً للبرادعي بقدر ما كان إعلان هذه الجماعة الشابة عن حاجتها الأصيلة لمشروع للتغيير ممكن، مشروع أكثر خيالا تتشكل حوله وتكتشف من خلاله مشروعها الخاص.
بالطبع كان مثيرا للتساؤل لماذا تماس مزاج هذه الجماعة الشابة بهذا القدر مع مبادرة د. البرادعي. ربما كان حديث د. البرادعي السلس حول الدولة الديمقراطية وإعادة بناء المجتمع والدولة المدنية قد خلق زخما وتوترا داخل هذه الجماعة – المكونة من الآلاف من شباب الطبقة الوسطى – وخلق الإطار المبدئي لمجموعة القيم المشتركة لهذه الحركة. وربما كان وضع د. البرادعي وسيرته الذاتية وحضوره الرئاسي قد تركت انطباعاً قوياً عند الشباب بأنه قادر على أن يقود مشروعاً ممكنا وحقيقيا للتغير. ومن ناحية أخرى فإن مجيء البرادعي من خارج المشهد بالكامل، من خارج كل ما يحيط بهم من ركود يزدرى الأمل، قد ألهم هؤلاء الشباب ووعدهم بوجه آخر للمستقبل، أكثر رحابة وأوسع خيالاً، لتكون مبادرة البرادعي محطة هامة لهذه الحركة في رحلتها لاكتشاف هويتها، وتدشين مجموعة القيم التي تربط بينه المشاركين فيها وبين ما يحلمون به من مستقبل أكثر حيوية وحرية.. قيم مازالت مترددة ومتخبطة، ولكنها تدور بلا شك في فلك ديمقراطي ومدني.
كلنا خالد سعيد (هنالك شرطى يرقد داخل كل فرد منا ، يجب ان نقتله، تحرر من هذا الشرطى” من شعارات الطلبه، فرنسا 1968)
بالطبع كان حادث مقتل الشاب السكندري خالد سعيد على يد مجموعة من المخبرين يوم 7 يونيو حادثاً كاشفاً ومفصلياً. فبعد ساعات من تناقل الخبر بين المدونات تشكلت مجموعة على الفيس بوك وصل عدد أعضائها بعد 6 ساعات من تأسيسها إلى 50 ألف عضو. واستمر الأمر ليتضامن مع خالد سعيد على “الفيس بوك” ٤٠٠ ألف متضامن خلال ١٩ يوما بمعدل ١٥ عضوا جديدا كل دقيقة، أي عضو كل ٤ ثوان، لتتحول قضية خالد سعيد إلى حالة كاشفة عن مزاج هذه التجمع الشاب، بل إلى المحطة الأهم في رحلة تحول هذه الجماعة إلى قوى شابة حقيقية تعبر عن مزاج طيف واسع من شباب الطبقة الوسطى المصرية.
ربما يرجع هذا التماس العاصف لهؤلاء الشباب مع قضية خالد سعيد إلى أن خالد ابن الطبقة الوسطى المصرية وملامحه وطبيعة حياته تشبه حياة الكثير من هؤلاء الشباب. ولكن ما يثير الاهتمام هنا هو ميل هذه الجماعة لتحويل قضية خالد سعيد إلى حملة يخوضون بها معركة حقيقية مع مخاوفهم ويكتشفون من خلالها مراكز قوتهم كجماعة ويتحسسون هويتهم ويختبرون خبراتهم في العمل الجماعي وقيمهم السياسية الوليدة. وفي تقديري لم يكن الأمر فقط هو التعاطف الشديد مع هذا الشاب التي تشبه ملامحه ملامحهم، بل كان الأمر أبعد من هذا: فكأن هؤلاء الشباب قد اكتشفوا أن مأزقهم الآني لا يمكن تجاوزه إلا من خلال مشروع أوسع للتغيير، فإن أكثر هواجسهم بطشاً وصرامة هو العنف والشرطة، وإذا كانوا يحلمون بالشراكة في التغيير والسيطرة على الشارع والمستقبل فأن أخطر ما يهددهم هم المخبرون، وألد أعدائهم هو جهاز الشرطة الذي تتقاطع عنده كل أشكال السلطة والوصاية، والذي يفرض استبداد العادة، والذي يحاصرهم في أحياء الخيارات المحدودة. ولم تكن صورة وجه خالد سعيد المهشمة إلا صورة تضم كل كوابيسهم وقيودهم مجتمعة، لتتحول حملة خالد سعيد إلى مشروعهم الخاص للاقتصاص من صرامة العادة وعنف البلادة، للاقتصاص من الذعر، أخطر ما يعيق حركتهم .
لهذا أصرت مجموعه الشباب التي قابلت د. البرادعي يوم الجمعة 20 يونيو 2010 على ضرورة تحركه للتضامن مع خالد سعيد، والدعوة للقيام بوقفة احتجاجية ضد التعذيب والقمع والخوف. وفعلا نجح الشباب في فرض شروطهم ومزاجهم على د. البرادعي واستدعائه لدعم حملة هؤلاء الشباب ومشروعهم الوليد، لتظهر وقفة الجمعة في سيدي جابر بالإسكندرية 26 يونيو كمحطة مهمة في مشروع بناء هذه الحركة وبلورة وعيها وأولوياتها. وبات جليا أنه آن الأوان- وكما في كل التحركات الشبابية – “أن يٌقتل الشرطى”. لقد اكتشفت الجماعة الشابة بحساسية مدهشة أن لديها فرصة تاريخية لتحويل قضية خالد سعيد إلى معركة متصلة وحاسمة مع الشرطة. استدعت هذه الحملة عددا ضخما من الشباب، ليس فقط للصراع مع الشرطة بل لمعركة التغيير الأوسع التى كان من الضرورى فى وجهة نظر الشباب أن تكون المعركة مع الشرطة أولى خطواتها. وقد تكون الأغنية التى انتشرت لشاب يسمى الحاتى دليلا على هذه الحالة، فالأغنية تقول:
“لما تبقى جوه بلدك عايش زى العبيد
متحاط من كل حتة بأسوار من حديد
عايز تغير واقع وتكون إنسان جديد
يبقى المصير هيكون زى خالد سعيد
النهارده يوم جنازته النهارده يبقى عيد
علشان بقى لنا كلمه صوتنا طالع من جديد
لو حتى موتونى أتمنى أموت شهيد
لو حاولوا يفرقونا كلنا خالد سعيد”
والغريب هنا هو هذا الربط المفتعل بين قضية خالد سعيد وقضية التغيير، فخالد لم يكن ناشطا سياسيا و قضيته بعيدة تماما عن قضية التغيير، وهو لم يقتل لأنه أراد التغيير كما أدعت الأغنية التى تعبر فى الحقيقة عن روح هذه الحملة التى صنعت من الحادثة ما ليس لها، وذهبت بها إلى أبعد من حقيقتها.
رابط الاغنية: http://www.youtube.com/watch?v=c6-eebTg0do&feature=player_embedded
وداعا خالد
واستمرت الفعاليات التي تخص قضية خالد سعيد بعد أن نجحت في الضغط على النظام وانتزاع مكسبين مهمين.. الأول يخص القضية ويخص القصاص من المذنبين، والثاني يخص جماعة الشباب. فقد نجحوا في اكتساب دعم مستمر من الجماعة الشابة الأوسع والمجتمع بشكل عام، بل تزايدت أعداد الناشطين الفاعلين بينهم واكتسبوا مهارات وخبرات تنظيمية حقيقية لقيادة حملة وإدارة معركة، والأهم هو اكتشاف مصادر قوتهم والإمكانيات داخلهم وحولهم، وأخيرا اكتشافهم لإمكانية فرض مشروعهم ومزاجهم على الحراك السياسي المتصاعد.
إلى أين ؟
في الحقيقة أنه بالقدر التي تنم به الوقائع عن تشكٌل هذه القوى الشابة وتشكل إطاراً مبدئياً لمجموعة القيم الجامعة لها والتي تدشن هويتها، بقدر ما يطرح شكل هذه الجماعة أسئلة صعبة حول مستقبلها ومصيرها. وبالطبع من الصعب، بل من المستحيل، التنبؤ بمصير هذه الجماعة الشابة، فهي تظل جماعة غير تقليدية تختلف في شكل حركتها وتنظيمها عن الأشكال التقليدية والتاريخية لحركة الشباب والطلبة، فهي بنت مأزقها، تشكلت في فضاء افتراضي، وبحثت ومازالت تبحث عن نفسها في الواقع، تتحرك عبر مجموعات من الشبكات المتنوعة والمختلفة، ولم تتحقق من قوتها بعد لأن وجودها ليس حقيقة واقعة، بل إمكانية تتحقق من خلال الحملات والقضايا الجامعة.
لقد أنتجت هذه الجماعة ذاتها بينما لم تخلق بعد ركائزها الموضوعية في المكان. وبقدر ما يشكل هذا عبئا عليها وعلى اكتشافها لقوتها بقدر ما يجعلها أكثر تمهلاً وأكثر حرصاً على خلق قيمها المشتركة وهويتها، فمصدر قوتها ليس تجمعها العفوي والقوى بل هويتها وقيمها المشتركة التي تنسجها خارج المجال السياسي بإيقاعها الخاص، تختار من القضايا والمبادرات ما يساعدها على اكتشاف ذاتها وإمكانياتها. وبلا شك فإن الحاجة لوجود مجال سياسي حيوي قادر على الجدل مع هذه الحركة والاشتباك معها أمر ضروري تحتاجه هذه القوى الشابة بقدر ما يحتاجه الوطن. وتظل هذه الحركة التي خرجت من الأزمة الشابة والقادمة من الغيب إمكانية هائلة كما أنها فريسة سهلة للقمع، قد تبعثرها هشاشة تنظيمها وقد تتجاوز الحواجز لتتحول إلى قوى ديمقراطية هائلة…. إلى قاطرة للخيال.
1)هبه نجيب: الشابة المصرية التى أحتجزها اهلها فى السعوديه ومنعوها من تكمله تعليمها والتى تواصلت عبر الفيس بوك مع الشباب الذى حول قضيتها خلال ساعات الى قضيه عامة، ونجحت الحملة فى النهاية ورضخ الأهل للضغوط بعد تدخل وزارة الخارجية، وعادت هبه الى مصر.

