text-align:right; text-align:right;

سبتمبر ٢٠١٠

النساء كـ”موضوعات” للصراع الطائفي في مصر

محمد البعلي

تظهر الأحداث الأخيرة التي تفجرت في مصر بسبب اختفاء زوجة رجل دين مسيحي بالمنيا كيف تتخذ النساء وضعا مركزيا في حالة التمترس الطائفي في المجتمع، وكيف تتصارع الهويات الدينية في مصر على إبراز سيطرتها على أجساد النساء قبل عقولهن وقلوبهن، وكيف أنها -حين تخوض صراعاتها على النساء- تتعامل معهن كـ”موضوعات” وليس كـ”كائنات بشرية”، موضوعات يمكن أن تتفاوض عليها أن تخسرها أو تربحها لكن لا يمكن أن تسألها عن رأيها.

تعود أحدث طبقة من جذور مسألة وجود النساء على خط النار الطائفي في مصر إلى سبعينات القرن العشرين (بالطبع يمكن إعادة المسألة إلى جذور أعمق في الثقافة الذكورية السائدة والتي تشبع بها الفكر الديني المسيحي والإسلامي العربي)، عندما بدأت التيارات الإسلامية حملة منظمة تهدف إلى فرض الحجاب، وبينما استخدمت استراتيجيتهم -ومازالت- خطابين أحدها ديني والآخر اجتماعي/ أخلاقي يدعي أن الحجاب يسهم في منع إثارة الشباب جنسيا ويحد من تحرشهم بالفتيات، وهو أمر غير مؤكد بالنظر إلى واقع الشارع المصري حاليا، فإنها كانت تهدف في الأساس إلى وضع فارق “أزيائي” بين المسلمات من جهة وباقي المجتمع من جهة أخرى فيما سمته بعض الجماعات بـ”المفارقة”. ومع استيلاء الإسلاميين شبه الكامل على المجال العام أصبحت نتيجة هذه الاستراتيجية واضحة في مجال التمييز الديني بين المسلمات وغيرهن. ففي المناطق الشعبية، ترتدي الحجاب كل الفتيات المسلمات البالغات تقريبا، بل وتسرب إلى ثقافة شريحة من المجتمع أن ارتداء الحجاب علامة على البلوغ، مما جعل فتيات يتسابقن لارتدائه كعلامة على اكتمال “أنوثتهن”.

في ثمانينات القرن العشرين والسنوات الأولى من التسعينات ومع اشتداد قوة الحركات الإسلامية المسلحة في صعيد مصر وخاصة “الجماعة الإسلامية” حدث تحول نوعي في استراتيجية هذه الحركات لاستهداف النساء، حيث بدأت الجماعة تستخدم عمليات التحول من المسيحية إلى الإسلام من الفتيات الراغبات في الزواج من شباب من المسلمين كدعاية على نجاحها في تحويل المجتمع إلى نموذجها الإسلامي “النقي”، وباعتباره جزءا من عملية تصفية الأقلية المسيحية في الصعيد. وعلى حد وصف صديق لي “كانت مساجد الجماعة في بني سويف تذيع كل يوم جمعة أسماء المتحولات إلى الإسلام، قائلة: نجحت الجماعة الإسلامية في كسب فلانة بنت فلان إلى الإسلام وتزوجها الأخ فلان، طبعا بعد الديباجة الإسلامية المعتادة”، وبحسب مصادر قبطية فإن هذه العمليات تمت في جزء منها باستهداف المسيحيات الفقيرات بشكل منظم وبتمويل من الجماعة لعمليات الزواج، ولكن بغض النظر عن مدى مصداقية هذه المصادر ، فإن المنهج الذي تحركت به الجماعة الإسلامية كان يهدف إلى دمغ الأقلية القبطية في الصعيد بعار فقدان الأنثى، وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد.

تتعامل الثقافة التقليدية في مصر عامة وفي الصعيد خاصة مع النساء كموضوعات للشرف والجنس، ويعتبر حفاظ النساء على “شرفهن” -وهو في الوقت ذاته شرف الرجال الأقرباء وشرف العائلة كلها- أحد الأهداف الرئيسية لحياتها، وفقدانه مبرر مشروع للتخلص منها. ويتلخص هذا الشرف في “جسدها”، وبالأدق فى سلوكها الجنسى مع آخرين، فالكذب والنميمة وكافة المساوئ المعنوية لا تمس الشرف مثلا، ولكنه الجسد بالأساس: فتعرية الجسد جريمة في الثقافة التقليدية، والممارسة الجنسية خارج نطاق الزواج فعل يستوجب قتل الأنثى المشاركة فيه -على الأقل- في الصعيد، كما ينظر إلى الزواج كعملية انتقال للولاية على المرأة من أبيها إلى زوجها، وهي عملية تتلبس بممارسة الشراء والبيع في الثقافة التقليدية، حيث يتم الأمر بالتوافق بين البائع/ الذكر والمشتري/ الذكر أيضا ولا يكون للمرأة/ موضوع الصفقة دور على الأغلب، وبالتالي يصبح الزواج بدون موافقة الأهل عملا يشبه السرقة، يجرح الشرف الذكوري ويستوجب قصاصا، ولكن ليس من السارق فقط ولكن من المرأة/ الموضوع كذلك. ولما كان المسيحيون المصريون في الجنوب جزءا من هذا الصعيد التقليدي، يمكن فهم الشعور بالعار الذي ترسخ لديهم بسبب عمليات “سلب” الإناث من جماعتهم.

وتحت وقع أزيز الرصاص وحوادث القتل العشوائي والمنظم أُجبر أغلب المسيحيين في صعيد مصر على ابتلاع “عارهم” خلال حقبة انتشار “الجماعة الإسلامية” واستعدادها لاستخدام العنف ضد الأقباط عند أبسط نزاع، وبلغ الأمر في إحدى الحالات -وهي واقعة حقيقة رواها لي صديق من الصعيد- أن تتزوج الفتاة المسيحية بشاب من الجماعة الإسلامية وتقيم معه في نفس العمارة التي تقيم فيها أسرتها، وتتجاهل الأسرة هذا الوجود، وتتعامل على أن الفتاة مختفية، خوفا من إثارة نزاع مع أحد أفراد الجماعة، لن تكون الأسرة هي الرابحة فيه على الأغلب.

صوت الهوية القبطية

كما تتخلق لدى الجماعات الوطنية الأحاسيس بالانتماء والوحدة المتخيلة عبر ممارسات وآليات منظمة من قبل الدولة والنخب، ساهمت عدة عوامل في إنعاش الهوية القبطية أهمها نجاح الإسلاميين في تنظيم ممارسات تمييزية واسعة الانتشار ضد المسيحيين، ابتداء من التصريحات والبرامج التلفزيونية التي تهينهم أو تحط من شأن معتقداتهم ووصولا إلى التمييز ضدهم في التعيين في هيئات التدريس بالجامعات. كل ذلك، بالإضافة إلى العنف الدموى ضدهم على نطاق واسع، خلق في مواجهة المسيحيين المصريين آخر/ عدو أجج شعورهم بهويتهم الدينية. كما لعبت الكنيسة عبر الخدمات التي تقدمها، والتي تتنوع من استضافة حفلات الزواج إلى التوسط لدى رجال الأعمال المسيحيين لتعيين العاطلين من شباب الأقباط،  وقدَّم خطابها -وخطاب كافة المؤسسات الدينية بالضرورة طائفي-  الأساس المعنوي لهذه الهوية وخلق رموزا تتحلق حولها. ولعب غياب المجتمع المدني وضعف الدولة دورا في ترسيخ الهوية الدينية لدى الأقباط وأصبح اغلبهم ينظرون لأنفسهم كأقباط أولا، وربما فقط.

ومع اقتراب القرن العشرين من نهايته كان صعيد مصر على موعد مع حادث اعتبر علامة فارقة في المسألة الطائفية لقسوته وحدوثه بدون تدخل تقريبا من الجماعات الإسلامية واختلاف رد الفعل الذي

احبه. ففي عشية رأس السنة وتحديدا يوم 31 ديسمبر 1999 اندلعت أحداث طائفية في منطقة الكشح أسفرت عن مقتل 20 شخصا بينهم 19 مسيحيا، بعد نزاع فردي تطور إلى عمليات إطلاق نار واسعة واستهداف لمتاجر ومساكن المسيحيين في الكشح وعدد من القرى المجاورة.

وعلى إثر هذه الأحداث اندلعت مظاهرات في معظم مدن الصعيد التي يسكنها مسيحيون تطالب بالعدالة -وأحيانا بالثأر-، وكانت هذه هي المرة الأولى تقريبا في حقبة التسعينات التي ينتظم فيها المسيحيون في احتجاجات جماعية ضد العنف الموجه ضدهم.  ومع ذلك لم تتراجع الحكومة ولا القضاء  بشكل مباشر أمام الاحتجاجات،  فكانت االتعويضات الحكومية لأسر القتلى والجرحى هزيلة، فيما أصدر القضاء أحكاما بالحبس على 4 متهمين فقط في الأحداث وكان أقصى حكم بالحبس لعشر سنوات (كان ينبغي أن يكون هذا الحكم بداية لتتبع تغلغل التطرف الإسلامي داخل الجهاز القضائي، ولكن التيار السائد في المعارضة المصرية واصل التشدق بمقولة “قضاء مصر الشامخ” حتى وصلنا إلى واقعة رفض مجلس الدولة لتعيين القاضيات). ولكن النظام قام لاحقا باستيعاب غضب الأقباط عبر الكنيسة حيث قدم لها بعض التنازلات وأقر يوم 7 يناير أجازة وطنية باعتباره أحد الأعياد القبطية الرئيسية.

وأسلوب احتواء الأقباط عبر المؤسسة الكنسية هو الأسلوب الذي يفضله النظام حاليا، والذي بدأ اتباعه منذ الستينيات، حيث “دشن ذلك العصر بداية ظهور دور الكنيسة كفاعل فى السياسة. فقد تمت صياغة نوع من علاقة تفاهم بين النظام والكنيسة، تقوم بمقتضاه الأخيرة بضمان ولاء الأقباط للنظام في مقابل اعترافه بأن الكنيسة هى ممثل الأقباط… ساهمت الناصرية بوضع حجر في بناء الطائفية، ليس لأن تبني نهج القومية العربية يمهد في حد ذاته بالضرورة  للطرح الإسلامي، ولكن لأن الطبيعة الاستبدادية للنظام كانت تعني اتخاذ موقف الحذر من الأقلية، والخوف من النهج المنفتح في معالجة القضايا الحساسة، وعلى رأسها قضية الأقلية الدينية” على حد قول غادة طنطاوي في مقالها “جذور المسألة القبطية”.

وبعد عامين اندلعت أزمة جديدة نتجت عنها مظاهرات حاشدة لمسيحيين في منشآت دينية قبطية بالقاهرة (الكاتدرائية) والمحافظات (الكنائس) هي أزمة “الراهب المشلوح” أو “جريدة النبأ”، حيث قامت الجريدة المعروفة باتباعها أسلوب الإثارة وتركيزها على القصص الجنسية بنشر موضوع امتد على 3 صفحات مرفقا بـ” 14 صورة، بعضها اعتُبر مخلاً بالآداب العامة، حيث تضمنت أوضاعاً جنسية لراهب مشلوح “مطرود من ديره” يُدعى برسوم المحروقي، مع تحقيق صحفي بأن هذه الجريمة ارتكبت في هيكل الدير الذي عرف  منذ القدم باسم دير السيدة العذراء واشتهر بدير المحرق” -د.ياسر ثابت: قضية الراهب المشلوح-، واعتبر المتظاهرون أن الموضوع الصحفي قُصد به إهانة الدين المسيحي وأماكن العبادة الخاصة بالأقباط. تراجعت الحكومة بسرعة في هذه الواقعة وأوقفت الجريدة وحولت رئيس تحريرها للمحاكمة، واكتشف المسيحيون -عبر الحادث- قوتهم الاحتجاجية ولكن ضمن أسوار الكنيسة وليس ضمن فضاء الجماعة الوطنية؛ اكتشفوا أن التظاهر والاعتصام يؤدي إلى تراجع الدولة والاستجابة لبعض المطالب. ومن خلال التظاهر داخل وأمام المنشآت الدينية المسيحية لعبت الاحتجاجات دورا في تأكيد الهوية الدينية للمحتجين، واكتشاف أن هذه الهوية يمكن أن تكون منبع قوة بعد أن كانت منبع ضعف لسنوات. ونتج عن الاحتجاجات أيضا تقوية وضع المؤسسة الدينية في قلب هذه الهوية، وهو ما سينعكس لاحقا في انفراد الكنيسة بالتفاوض على قضايا النساء المسيحيات وأغلب القضايا التي تخص “موضوعات” الهوية القبطية.

ورغم الطابع الطائفي الديني الشديد للأحداث السابقة فلا يمكن إغفال الجانب الثقافي العروبي فيها، فهذه الأحداث وكثير -سيلحقها- تتميز بقدرتها على جذب الاهتمام الشديد لاحتوائها على عنصرين رئيسيين في ثقافة الإثارة العربية وهما الجنس والدين، فالمشترك الثقافي العربي من الخليج إلى المحيط مازال قادرا على تخطي أغلب النقاشات والخلافات ماعدا تلك المحتوية على الجنس أو الدين فما بالك بكلاهما.

النساء في قلب العاصفة

بعد 3 سنوات بقليل من عاصفة “الراهب المشلوح” اندلعت عاصفة وفاء قسطنطين، فتلك المرأة التي أعلنت رغبتها في التحول إلى الإسلام -ثم أعلنت عكس ذلك لاحقا- أصبحت مركزا لمعركة طائفية مازالت مستمرة، على الانترنت على الأقل. فالسيدة التي تزوجت مواطنا مسيحيا في شبابها، تحول لاحقا إلى رجل دين، أثار إعلانها عام 2004 عن رغبتها في التحول إلى الإسلام كل مخزون “العار” القبطي المتراكم منذ ثمانينات القرن العشرين، واعتبر أغلب مسيحيي مصر أن رغبتها هذه جزء من المؤامرة الإسلامية على “الشعب القبطي”، فيما اعتبرها مسلمون كثيرون مكسبا لهم وإذلالا للمسيحيين. وبين الصوتين ضاع أي حديث عن حق هذه المرأة في تحديد اختياراتها (فكل الهويات المتصارعة لا تسمح مقولاتها بفكرة الخيار الفردى أصلا) ؛ لقد رسخ في اللاوعي الهوياتي الذكوري أن المرأة  “موضوع” مملوك للجماعة وليست ذات يمكن أن يكون لها خيار. ورغم أن هذه السيدة يزيد عمرها عن الأربعين، بما ينفي احتمال عدم الرشادة، فإن النظام المصري قرر تحت ضغط المظاهرات الحاشدة للمسيحيين القبض عليها وتسليمها لتوضع تحت الإقامة الجبرية في إحدى المنشآت الدينية المسيحية بوادي النطرون. ووضعها في ذلك المكان مفارقة ساخرة جدا، فقد كان وادي النطرون ذاته هو المكان الذي وضع فيه البابا شنودة -رأس الكنيسة القبطية المصرية- قيد الإقامة الجبرية من قبل الرئيس السابق محمد أنور السادات عندما رفع شنودة لواء المعارضة في وجه الرئيس. وغني عن الذكر أن السادات قد مات وخرج شنودة من الوادي.

تكررت بعد حادثة وفاء قسطنطين التوترات حول اختفاء الفتيات المسيحيات أو ارتباطهن بشبان مسلمين. وكان رد الفعل الدائم من النظام هو استدعاء الفتاة والشاب وتهديدهما لإنهاء العلاقة إن وجدت، وإلغاء مشروع الارتباط إذا كان قد دخل في مرحلة الخطوات الرسمية. وأصبح واضحا أن النظام و”الجماعة القبطية”، اتفقا على حل أي توتر طارئ تكون امرأة ما أحد أطرافه على حساب تلك الأخيرات، وهو ما تم في واقعة اختفاء السيدة كاميليا في المنيا خلال الأيام الماضية، حيث أُجبرت السيدة على العودة لمنزلها بقوة أجهزة الأمن، دون وضع أي اعتبار لرأيها في هذه العودة. بل وتعرضت للوم فى وسائل الإعلام لأنها لم تظهر فور اندلاع المظاهرات، وكأن حياتها الشخصية ليست سوى أحد ممتلكات الجماعة.

إن نموذج الاضطهاد المزدوج لنساء الأقليات: اضطهاد المجتمع لهن لكونهن من الأقلية ولكونهن نساء، واضطهاد جماعتهن الطائفية بوصفهن مخزن للشرف، نموذج متكرر في مصر والغرب، لدى النوبيين والأقباط محليا، ولدى الأقليات المسلمة في الغرب، ولا يمكن الفرار منه إلا عبر شجاعة النساء واستعداد المجتمع لنجدتهن.

فعلى التيارات المدنية الناشطة في المجتمع، كما تواجه التمييز ضد الأقليات أن تواجه التمييز المزدوج ضد نساء الأقليات، وأن تنتقد الاحتجاز القسري لهن، وأن تنتقد قيام النظام بتسليم النساء الهاربات من منازلهن، بل وتطالب الدولة بتأسيس منازل آمنة للنساء اللاتي يتعرضن للعنف المنزلي أو الضغط القبلي والاجتماعي لقبول الزواج الإجباري أو البقاء في علاقة زوجية رغم إرادتهن. إن خطوات كهذه فقط ستقربنا من المجتمع الذي نسعى إليه، حيث يتمتع الجميع بالمساواة والحرية والفرص المتكافئة.

*يدين كاتب هذا المقال بالشكر لكل من الصديقين أكرم ألفي في أبوظبي وسارة نجيب في القاهرة، لإمداده بالمعلومات وإثراء أفكار المقال بالنقاشات.

3 comments to النساء كـ”موضوعات” للصراع الطائفي في مصر

اترك تعليق