width text-align:right; text-align:right;

ديسمبر٢٠١٠

التكنولوجيا في مواجهة السلطوية: كيف تتسلل نسائم الحرية إلى مجتمعات الشرق الأوسط عبر النوافذ الرقمية

عبد الحفيظ عوض

من “فيسبوك” و”تويتر” إلى “البلاك بيري” تجد الأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط نفسها أمام تحدٍ جديد لم تعتده، فالحكومات الاستبدادية في الدول العربية وإيران التي لطالما استغلت قدرتها على منع تدفق المعلومات وسيطرتها على وسائل الاتصال الجماهيرية -بالإضافة إلى القمع المباشر بالطبع- في إعاقة أي تحركات جماعية، تجد نفسها في مواجهة وضع جديد حيث تقدم الوسائط التكنولوجية الحديثة منصات للدعاية والحشد تتمتع بقدرتها على ربط عشرات بل ومئات الآلاف وتنسيق تحركاتهم.

تكنولوجيا الاتصالات تزيل الحواجز أمام تواصل الغاضبين

وتختلف هذه الوسائط عن مسببات الموجة الأولى من التشققات التي أصابت جدار العتمة السلطوي والممثلة في الفضائيات، في أنها ذات طرفين، فالفضائيات تعتمد على وضعها كمرسل ويظل المشاهد متلقٍ بالأساس قد يرسل رسالة قصيرة أو يقوم باتصال هاتفي ولكن المنظومة التلفزيونية بالكامل تعتمد بالأساس على لعبة المرسل والمتلقي لذلك ظلت وسيلة “إعلام” أو”دعاية”(*) جماهيرية دون أن تتحول إلى وسيلة اتصال.

 تطور “اجتماعي”

تطورت الشبكات/ المواقع الاجتماعية الإلكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية مع مطلع الألفية الجديدة كوسيلة تعارف بالأساس، وبدأت انتشارها في الغرب، حيث لا يحتاج المهتمون بالسياسة إلى مخابئ إلكترونية لإبداء آرائهم. ولكن عبر فضاء الانترنت ومن خلال موجات التجارة الحرة الالكترونية تسربت هذه الشبكات إلى حيوات شباب الطبقات الوسطى في الشرق الأوسط، ومنهم إلى الشرائح العليا من الطبقة العاملة، والطبقات العليا بالطبع. وقدمت هذه الوسائط نافذة لهؤلاء؛ ليس فقط على الغرب الجامح- ولكن للتنفيس عن كبت مجتمعاتهم، وأصبح الخبز اليومي لحياة الشرق أوسطيين (الجنس والسياسة) ضيفا دائما على صفحات الشبكات/ المواقع الاجتماعية الإلكترونية.

في الآونة ذاتها طورت شركة كندية تدعى Research In Motion “RIM” جهاز البلاك بيري، وفوق أنه جهاز هاتف محمول، فقد صُمم بشكل رئيسي لكي يكون منصة اتصال رقمية رخيصة، حيث يتيح اتصالا رخيصا جدا بالانترنت مقارنة بغيره من الهواتف. والأهم من ذلك أنه يتيح استخدام منصة دردشة “ماسنجر” مجانية للتواصل مع كافة مستخدمي البلاك بيري حول العالم بشرط التسجيل في الخدمة فقط وقبول الطرف الآخر التواصل معك.

وعبر أوروبا وشرق آسيا وأمريكا الشمالية اعتبر البلاك بيري هاتف أعمال من الدرجة الأولى، ولكن في أطراف المنطقة العربية المسكونة بالممنوعات -تحديدا أطرافها الغنية- أصبح الجهاز منصة اجتماعية بالأساس.

الإمارتيون استخدموا "البلاك بيري" للتعبير عن تذمرهم من الغلاء

وفي دول الخليج حيث تسمح مستويات المعيشة العالية نسبيا باقتناء أجهزة محمولة مرتفعة القيمة، وجدت أجهزة البلاك بيري سوقا متسعة حيث تحول من موضة إلى وسيلة اتصال فعالة، وفي منتصف عام 2010 بلغ عدد مشتركي خدمات البلاك بيري – من يحملون الأجهزة ويُفعِّلون اتصاله بالخدمات الرقمية- في الإمارات نصف مليون مشترك وفي السعودية نحو 700 ألف مشترك. وسنعرف ضخامة هذا العدد إذا عرفنا أن مشتركيه في فرنسا يبلغون نحو 300 ألف مشترك. وجعلت ميزة الماسنجر المجاني منه وسيط اتصال رخيصا نسبيا. ومع الوضع في الاعتبار أنه يمكن ترتيب عدد كبير للغاية من شركاء الماسنجر في قائمة واحدة بحيث يمكن إرسال رسالة واحدة للمئات أو للآلاف في ثوان معدودة، نكتشف أن هذا الجهاز المحمول يملك “قدر” وقدرة التحول لأداة دعاية رخيصة وتفاعلية في الوقت ذاته، وفوق كل ذلك فإن كافة الخدمات الرقمية التي تقدم عبر أجهزة البلاك بيري تتم من خلال خوادم “سيرفيرز  Servers”  تقع حصريا في مقر الشركة الكندية، بما يجعل التتبع الأمني لرسائله صعبا للغاية.

انتشرت الشبكات الرقمية وهواتف البلاك بيري وسط سعادة الجميع؛ مقدمو الخدمات والمصنعون الغربيون وجدوا أسواقا جديدة، الموزعون في الشرق الأوسط يحصلون على نسبتهم. والجو لا ينبئ بأي قلق، فالشبان -الذين يخنقهم الفصل الاجتماعي للمجتمعات الشرق أوسطية المحافظة – يطاردون الفتيات عبر الوسائط الرقمية، والجميع يتبادل النكات والصور والأغاني وتعليقات سياسية تساهم في تنفيس الكبت، والكل سعيد.

ولكن في شهور قليلة انفجرت الأزمات وتوالت موجاتها في مجتمعات الشرق الأوسط الراكدة وسرعان ما اكتشف الشبان المحرومون من أية وسائط اتصال جماهيري ديموقراطية أن هذه الوسائط (الشبكات/ المواقع والأجهزة) صُممت لتكون وسائل دعاية واتصال في الوقت ذاته.

بدأ الأمر من إيران. فمع انطلاق الاحتجاجات على ما قالت المعارضة أنه تزوير واسع النطاق للانتخابات الرئاسية لعام 2009، وبعد أن تمّ تعطيل الخدمات الهاتفية في طهران لمنع المعارضين من التواصل وتنظيم التظاهرات، وبعد التشويش على بث القنوات الفضائية التي اعتبرها النظام غير متوافقة مع رؤيته للحدث، وحجب مواقع الإنترنت، ظهر “تويتر” كأداة تواصل تفاعلية تحدّت وسائل الرقابة التي استخدمتها الحكومة الإيرانية، فاستخدمها المحتجون الإيرانيون في تنظيم المظاهرات وتوجيه المحتجين إلى الأماكن المطلوبة، كما استخدموها كأداة دعاية في إيصال صورة مختلفة عما يحدث سواء للإيرانيين في الداخل، خاصة في المدن المعزولة عن بعضها البعض أو للعالم ككل.

وتقول نيكول سيمون، مؤلفة كتاب حول ظاهرة “تويتر” إنه “وسيلة اتصال مختلفة تسمح بتخطّـي حواجز الرقابة، التي تُحاول… بعض الأنظمة، كإيران أو الصين، حجب المعلومات (أو التشويش عليها)، وهذه في حدّ ذاتها نتيجة استثنائية”.

الفيس بوك" أصبح وسيلة لتنظيم احتجاجات للشباب في مصر

وبعد عام من الصيف الإيراني الساخن اندلعت قضية مقتل الشاب خالد سعيد في الإسكندرية، والذي اتهم فيها رجلا شرطة باستخدام القسوة معه، مما أدى لوفاته. وحسب رواية شهود للواقعة، فإنه تعرض لضرب مبرح أفضى لموته، و”بعد ساعات من تناقل الخبر بين المدونات تشكلت مجموعة على (فيسبوك) وصل عدد أعضائها بعد 6 ساعات من تأسيسها إلى 50 ألف عضو” بحسب مقال أكرم إسماعيل في العدد السابق من البوصلة. وتحول فيسبوك  – بلغ عدد مشتركي الموقع من مصر في مايو الماضي نحو 3.5 مليون مشترك- إلى ساحة التضامن الأساسية مع قضية خالد سعيد حيث بلغ عدد المرتبطين بصفحتي القضية الرئيسيتين “كلنا خالد سعيد” و”انا اسمي خالد محمد سعيد” في نهاية سبتمبر 2010 نحو 280 ألفا و285 ألفا. وبسبب الطبيعة التفاعلية للموقع/ الشبكة فقد نجحت المجموعات المتبنية للقضية عبر نشر الصور ولقطات الفيديو في مواجهة الدعاية الحكومية والتغلب عليها، وهي الدعاية التي أسمت الشاب “شهيد البانجو”، متبنية وجهة النظر الأكثر سخافة لرجال وزارة الداخلية. وعلى حد قول أكرم إسماعيل “ربما يرجع هذا التماس العاصف لهؤلاء الشباب مع قضية خالد سعيد إلى أن خالد ابن الطبقة الوسطى المصرية وملامحه وطبيعة حياته تشبه حياة الكثير من هؤلاء الشباب”، وقد انتقل الشبان المصريون من الدعاية إلى التنظيم عبر منصة التواصل الجديدة، حيث نجحوا باستخدام “فيسبوك” بالأساس -بالطبع مع بعض الدعم من صحف مستقلة- في الدعوة إلى وتنفيذ عدد من الوقفات الاحتجاجية في الإسكندرية والقاهرة ومدن أخرى تراجعت أمامها السلطات جزئيا وحولت رجلي الشرطة للمحاكمة.

واستخدم المنظمون إمكانيات وسيلة الاتصال الجديدة إلى أقصى درجة، فحتى أثناء الوقفات نفسها كان يحدث أحيانا أن يتم دعوة المحتجين إلى الانتقال الفوري من موقع يتكثف فيه الوجود الأمني إلى موقع آخر، أقل كثافة بوليسيا، إضافة إلى نشر صور وأخبار الاحتجاجات بصورة فورية عبر الشبكة في استفادة رائعة من إمكانياتها الدعائية.

 

نهاية حزينة

على عكس القصص البطولية في إيران والنجاح النسبي في مصر، فقد واجهت خطط الاحتجاج التي ساعد “البلاك بيري” في تنظيمها، وكان وسيلة الدعاية الرئيسية لها، فشلا ذريعا. وقامت السلطات الإماراتية بإعلان نيتها إلغاء خدمات البلاك بيري داخل حدودها بحلول 11 أكتوبر 2010 ما لم تقدم لها الشركة الكندية نفاذا كاملا لمعلومات المشتركين، وقد استمرت الخدمة بعد هذه المهلة بالفعل بإعلان الطرفين الوصول لتفاهم دون توضيح طبيعته.

 وكان البلاك بيري قد أصبح منصة لتداول الانتقادات الموجهة ضد الحكومة الإماراتية على إثر قرارات رفع أسعار البنزين المتوالية في صيف 2010. فقد اعتاد مواطنو الإمارات أن يعيشوا في ظل معادلة الدولة “الأبوية” –الرفاهية مقابل الحقوق السياسية- تكفل لهم مستوى معيشيا مرتفعا ونصيبا مقبولا من الناتج المحلي، مقابل عدم مطالبتهم بأية حقوق سياسية، أو مقابل عدم طرح تساؤلات عن كيفية توزيع العائدات النفطية. وظلت هذه المعادلة مستقرة حتى ضربتها الأزمة المالية التي بخرت نسبة كبيرة من مدخرات واستثمارات المواطنين والحكام، وضربت العائدات النفطية، وتشير أرقام غير رسمية إلى أنها قلصت الناتج المحلي.

وخلال أشهر قليلة رفعت الإمارات أسعار البنزين مرتين، وأعلنت نيتها فى تحرير السعر بالكامل، مما أثار موجة انتقادات. كان لمميزات البلاك بيري من سرية وسهولة في الاتصال أن جعلته منصة رئيسية لدعوات الاحتجاج، والتي أحبطتها السلطات بالقبض على بعض الداعين للتظاهرات. فقد تناقلت مواقع إنترنت ومنتديات ومنظمات حقوقية أجنبية أخباراً عن إلقاء السلطات الإماراتية القبض على شاب دعا إلى تنظيم مسيرة احتجاجية على رفع شركات البترول أسعار البنزين عبر «بلاك بيري»، واحتجازه في دبي وفصله تعسفياً من عمله، مما اضطر شرطة دبي إلى الإفصاح عن أن هذا الشاب كان يعمل رقيبا في سلكها، وانها فصلته “فقط”، معتبرة أنها اكتفت باتخاذ الإجراء الإداري ضده دون اللجوء إلى الشق الجزائي الذي يسمح بمحاكمته، نظرا لكونه عسكرياً.

لم ينه القمع أصوات الاحتجاج في الإمارات، وإن كان قد جعلها تخفت. فقد تداول إماراتيون في شهر يونيو الماضي رسالة احتجاج ومناشدة للسلطات تنتقد قرار قصر استخدام ميكرفونات المساجد على إذاعة الآذان (يصر جهاد الخازن على أن أغلب الحكومات العربية أفضل من شعوبها، لعله سيستخدم هذه الواقعة في تأكيد وجهة نظره).

تحول التعبير عن الغضب "رقميا" إلى احتجاج في الشارع بمصر

 وجهان للعملة

لا تقدم وسائط الاتصال الحديثة منصات للدعاية والتواصل فحسب، بل تقدم أيضا منصات مراقبة ممتازة للسلطات. بالطبع تتفاوت قدرة الحكومات السلطوية على إحكام الرقابة على هذه الوسائط، فهي تستطيع وضع رقابة واسعة النطاق على وسائط الاتصال التى تدار محليا، كما تفعل السلطات الإماراتية -وتسعى لذلك المصرية – مع شبكات المحمول. فالحصول على خط محمول في الإمارات مشروط بتقديم صورة هوية (بطاقة شخصية) تشمل بيانات رئيسية عن صاحبها، وهو الأمر الذي تنبهت السلطات المصرية لأهميته وتسعى لتطبيقه بأثر رجعي على ملايين المشتركين. كما تناقلت وسائل إعلامية أن سلطات الأمن المصرية أسست قسما جديدا لتعقب الناشطين السياسيين على “فيسبوك”، ومواجهة انتشار المجموعات على المواقع المناهضة للحكومة والحزب الوطني الحاكم والرئيس حسني مبارك ونجله جمال.

ولن يتسع المجال هنا لجهود الرقابة الالكترونية، من حظر مواقع بالآلاف في دول مثل الكويت والإمارات، إلى مشاريع ذات طابع رقابي خيالي مثل مشروع الرقم القومي (إنه أحد تجليات كوابيس جورج أورويل في 1984 حيث الأخ الأكبر يعرف عنك كل شيء من المهد إلى اللحد). فجهود السلطويات العربية بشكل خاص في هذا المجال كبيرة، فيما يركز المقال بصورة رئيسية على وسائط الاتصال التفاعلية الجديدة.

أخيرا، لن يكون سهلا على أنظمة الشرق الأوسط السلطوية أن تحكم رقابتها على وسائط اتصال تشغلها شركات تتمركز في الغرب، بغير الوصول لتفاهمات مع هذه الشركات، وهو الأمر الذي نجحت فيه الإمارات في قضية البلاك بيري. وهنا يجب على النشطاء المهتمين بقضايا الحريات التنبه لمسألة ذات أبعاد عديدة؛ فمهما بلغ الالتزام الأخلاقي لدى الشركات الغربية بحماية معلومات عملائها الشرق أوسطيين من قوة، فلن يصمد هذا الالتزام أما الضغط على مصالحها، ولن تصمد مواقف هذه الشركات لفترة طويلة إلا إذا تم تنظيم ضغط مضاد من قبل النشطاء في الغرب قبل الشرق لمنع هذه الشركات من الرضوخ لمطالب النظم السلطوية. لذلك فإنه من الضروري تنظيم حملات في بلاد المقر الرئيسي لهذه الشركات تدعوها إلى التمسك بموقف حماية معلومات عملائها، ودعوة مناصري قضايا الديموقراطية بالشرق الأوسط في كافة أنحاء العالم -وخاصة من يعيش منهم في الدول التي تحتضن هذه الشركات- إلى تنظيم حملات مماثلة، لعل ذلك يسمح ببقاء نافذة جديدة يدخل منها قليل من هواء الحرية إلى الفضاءات السياسية الراكدة في الشرق الأوسط.

 

(*) يفرق هذا المقال طوال الوقت بين الإعلام، مشيرا بهذا الاسم بالأساس إلى وسائط نشر المعلومات التي تتمتع بحد أدنى من الحياد والموضوعية (كموقع “البي بي سي” على سبيل المثال)، وما يُعرف بالوسائط الإخبارية ذات الانحياز الإيديولوجى الواضح أو الارتباطات السلطوية (مثل الصحف القومية المصرية أو قناة الجزيرة الفضائية) باعتبارها وسائل “دعاية”.

اترك تعليق